عمرو الخياط يكتب: إرادة الانتصار المتجددة

خمسة وأربعون عاماً مرت علي نصر أكتوبر.. ذكري النصر تجسيد لعملية عبور تاريخية تتجاوز ظاهرها الحركي إلي إرادة أسطورية عبرت الهزيمة والانكسار، النصر نفسيا تحقق قبل الحركة المادية علي الأرض.

٦ أكتوبر عام ١٩٧٣ هي لحظة توحد مؤسسي تاريخية، اندمج فيها العمل العسكري والاستخباراتي والدبلوماسي في منظومة متقنة ارتكزت علي قاعدة تماسك شعبي أسطوري حملت علي عاتقها إعادة بناء القوات المسلحة وإعادة بناء الإرادة وهزيمة الانهزام.

الإرادة المصرية كلمة السر، كل من لا يدرك قيمتها أو يعجز عن تخيل حجم صلابتها حتما يعاني قصورا في فهم الواقع وقراءة التاريخ واستيعاب معادن الرجال.

بعد هزيمة ٦٧ الظالمة التي تعد استثناء لتاريخ العسكرية المصرية فرضت أطراف الظلم الدولي وهم طمس عقولها بعد أن رسخت قناعة زائفة بأن مصر باتت جثة هامدة، وتسلل هذا الوهم إلي عقلية الاستخبارات والتخطيط العسكري الإسرائيلي فزادها صلفا وغرورا وتوهمت أن بإمكانها أن تفرض علي تاريخ مصر فصلا جديدا مكتوبا بغير اللهجة المصرية وبغير قلم الإرادة المصرية.

من واقع الوهم بأن مصر يمكن أن تكون جثة هامدة أعادت مصر بناء الحقيقة وراحت تنسج خطتها المحكمة للخداع الاستراتيجي الذي انطلق من غرفة عمليات الدولة المصرية ليتدفق حول اعتي أجهزة الاستخبارات في العالم، بقدر ما كان العبور انتصارا لإرادة الدولة المصرية بقدر ما كان هزيمة لمنظومة الصلف والاستعلاء الدولي، بعد أن أثبتت مصر أنها قادرة علي أن تصنع صدمة يتوقف عندها الزمن ليستمع لكلمة مصر، المفارقة أن كلمة سر انطلاق طائرات سلاح الجو المصري نحو أهدافها في أعماق الضفة الشرقية كانت »صداما»‬ التي هزت أجهزة استقبال غرف عمليات القوات الجوية في قواعدها المختلفة لتندفع الطائرات نحو باب النصر.

الإرادة المصرية رصيد تاريخي لا يفني ولا يستحدث من العدم، لا يمكن أن ينفد وإلا حدث خلل جسيم في ميزان التاريخ، لكن من لا يستوعب ذلك فقد اختار بنفسه أن ينسج الوهم من خيوط العنكبوت.

برصيد الوهم العنكبوتي عاودت أطراف شبكة الظلم الدولي محاولات تقويض الدولة المصرية بعد أن دعمت وساندت ومولت وصول تنظيم الإخوان الإرهابي إلي حكم مصر ومكنته من السطو علي مقاليد الدولة ثم عادت لتستكين إلي وهمها وتسير في جنازة دولية لتشييع جثمان الدولة المصرية إلي مثواه الأخير بغير ادراك أنها قد فتحت علي التنظيم الدولي نارا احاطت به سرادقها، وأيقظت عملاقا من سباته.

أطراف الغفلة الدولية راحت تتغافل ليس فقط عن تاريخ أقدم دولة في التاريخ بل عن تاريخ تنظيم هو أصل فكرة وفلسفة ونظرية الإرهاب.

بعد أن استكانت أطراف ظنت أنها تمكنت من احتلال مساحات الإرادة المصرية، هبت مصر من جديد في ٣٠ يونيو لتصدم الغافلين مرة أخري بأن فقرات التاريخ المصري لا يكتبها إلا المصريون.

٣٠ يونيو لم تكن نزوة شعبية بل استدعاء طبيعيا لكامل مخزون الإرادة والفطرة والغريزة المصرية، ٣٠ يونيو عملية شاملة لإنقاذ الوطن من لم يدرك حقيقتها هو نفسه من سبق له السير في الجنازة الوهمية للدولة المصرية عام ٦٧، ثم عاود استدعاء وهمه ليأخذ العزاء في مصر عام ٢٠١٢ بعدما تم إنجاح المعزول المتخابر محمد مرسي، لم يكن أبدا هناك جنازة لمصر بل تشييع لصوت العقل الدولي.

٣٠ يونيو هي صوت إرادة النصر المتجددة، ليست معركة قانونية بين الشرعية وعدم الشرعية بل معركة وجودية بين الدولة واللادولة.

من لم يدرك قيمة الدولة المصرية لن يرحمه التاريخ، وبرغم ذلك عاود سماسرة الأوطان نشر تنظيماتهم الإرهابية بعد أن أدمنوا علي أوهامهم وظنوا أن مجموعات القتل المنظم يمكنها اعادة احتلال ما روته الدماء عام ٧٣، أو أن بإمكانها أن تفرض علي مصر استخدام أرض سيناء في صفقة لتصفية القضية الفلسطينية، لكن الدماء المتجددة التي عادت لتروي الأرض من جديد في مواجهة جماعات الإرهاب أثبتت أن ما يسمي بـ»‬صفقة القرن» ليس لها مكان في مساحة الإرادة المصرية، بل أثبتت الدماء الزكية أن ٣٠ يونيو هي »‬ثورة القرن».

بحجم الإرادة والوعي المصري بهذه الحقائق ظلت عناصر الانتصار كامنة داخل الجسد المصري تعرف توقيتات نشاطها كلما حل الخطر علي الوطن المصري، بينما ظل المتغافلون اسري لاوهامهم كما لو كانوا لازالوا متورطين في تفاصيل الخداع الاستراتيجي الذي فرضته مصر عليهم عام ٧٣.

الآن مصر تستكمل التحرير بالتعمير، عملية ربط شرق القناة بغربها تتم علي قدم وساق، ربط الوادي بصحراء سيناء يتدفق مع مياه النهر الهادرة عبر سحارة سرابيوم لتتسلم عملية ري الوطن بالماء بعدما خضبته الدماء.

أنفاق الحياة لا يتوقف فيها العمل بعدما قررت مصر أن تنتقل بإرادتها الحرة من مرحلة الخداع الاستراتيجي إلي مرحلة الحقائق الاستراتيجية، في كل لحظة تثبت إرادة مصر قدرة ذاتية علي التجدد والتجديد كلما تطورت المستجدات والتحديات التي حتما تولد استجابات مصرية ستسجل في أرشيف التاريخ ببصمة براءة الاختراع المصري.

بأعلي صوته نادي المتحدث الرسمي باسم الإرهاب الإخواني المحكوم عليه محمد البلتاجي متوهما أن تنظيمه يملك إيقاف ما يحدث في سيناء شريطة عودة أيقونة التخابر الإخواني محمد مرسي، لكن الرد المصري جاء رسميا وشعبيا بعدما ارتفعت الهتافات في كل جنازات الشهداء الأبرار الذين سالت دماؤهم لتعيد تسطير مفردات سيادة الإرادة المصرية علي كامل الأرض المصرية.

إذا كان للإرادة عنوان فهو مصر، إذا كان للإرادة ثمن فهو رصيد الدماء المصرية التي سالت في حب الوطن ولاتزال بكامل إرادة أصحابها منهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا في حب مصر تبديلا. نقلا عن صحيفة أخبار اليوم.