عمرو الخياط يكتب: سور الدبلوماسية العظيم

علي متن الطائرة الرئاسية اتجه السيسي إلي الصين في زيارة رسمية تصف نفسها حتما بأنها »لقاء الحضارات»، هناك علي أرض الصين كان الرئيس شي جين بينغ في استقباله، اللقاء بحجم وثقل الزعيمين الراسخة أقدامهما علي قاعده لأعرق حضارات البشرية، لقاء يحيط به سُور الصين العظيم بينما يطل عليهما من عليائه أبوالهول المصري حارسا أمينا علي أرض الكنانه.

السيسي يملك بوصلة الدبلوماسية المصرية الجديدة، اتجهت به نحو الصين في لقاء العمالقة الذي زاد دفئه بالتفاف الرؤساء الافارقة حول الزعيمين في اللقاء الذي كان مرتقبا لقمة »الصين - افريقيا»، عبدالفتاح السيسي يبني سُور الدبلوماسية العظيم بشراكة صينية سياجا للأمن والاستثمار حول القارة الافريقية.. إذا كان لكل شئ أصل فإن مصر أصل أصول القارة الافريقية.

مساء يوم الوصول أقام الزعيم الصيني لنظيره المصري مأدبة عشاء أحاطت بها الأعلام المصرية والصينية غلب عليها اللون الأحمر القديم ليملأ المكان دفئا وحبا وقوة، اللون الأحمر هو صاحب أطول موجة ضوئية تمتد بمحاذاة التاريخ العميق لحضارة الزعيمين.

في بداية اللقاء هنأ الرئيس شي جين بينغ الرئيس عبدالفتاح السيسي بانتخابه لولاية ثانية بعد إنجازات متعددة ذكر منها خصيصا الحفاظ علي الوحدة الوطنية، ليعكس حجم الوجود المصري في وعي الامبراطورية الصينية.

في ثاني أيام الزيارة كان الرئيس السيسي في لقاء داخل أكاديمية الحزب الشيوعي الصيني التقي خلاله برئيس الأكاديمية وقادتها ليشيد علنا بدور الأكاديمية في تدريب النخبة السياسية الصينية وتوسيع رؤيتها الاستراتيجية، ربما عجز لسانه عن رثاء حال النخبة المصرية، وربما آثر الصمت عن السؤال المؤلم كيف حال النخبة المصرية؟.

بعدها التقي شباب الأكاديمية ليواجه سؤالا من أحد الحضور عن تداعيات ما سمي بالربيع العربي علي المنطقة، ليؤكد السيسي أن الفراغ الذي أفرزته هذه الحالة منح فرصة لتيارات الإسلام السياسي للوثوب علي السلطة دون الاكتراث بخطورة سقوط الدولة الوطنية، الرد جاء نقلا عن الدولة المصرية، ليطرح سؤالا جديدا إلي متي ستظل النخبة المصرية متورطة في حالة فراغ استراتيجي.. إلي متي؟!.

استمرت الزيارة ليلقي السيسي كلمته أمام منتدي تعاون الصين - افريقيا، الكلمة حملت الرسائل التالية:

- الشراكة الصينية الافريقية خيار استراتيجي مفتاحه القاهرة.

- الشراكة ممتدة وستشمل جميع المجالات.

- الشراكة تهدف لضمان تمثيل وحضور صوت افريقيا علي الساحة الدولية.

- ازالة الظلم التاريخي الواقع علي افريقيا هدف أساسي.

- تطوير البنية التحتية للقارة هدف حتمي.

- التنمية والتحديث هما السلاح الأساسي لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والإرهاب.

- الشراكة تقوم علي أساس المنفعة المتبادلة.

رسائل السيسي جاءت بنودا لدستور دبلوماسي جديد للشراكة الافريقية الصينية.

السيسي استغل الوجود الأفريقي في الصين ليعقد ما يمكن تسميته بالقمم الافريقية المصغرة، بعدما حج إلي القبلة المصرية حيث مقر الاقامة الرئاسي رؤساء الصومال والسودان ورئيس الوزراء الاثيوبي، ثم تولت الوفود الافريقية علي الرئيس المصري لتلتف النجوم الافريقية حول الكوكب الدري المصري.

السيسي توجه إلي الصين حاملا أثقال وطنه المصري ومحملا بالآمال السمراء للقارة الافريقية حيث امتدادات العمق الاستراتيجي للأمن القومي المصري، الرئيس يسابق ظرفي الزمان والمكان من أجل محو آثار الجفاء الذي اعتري التواصلات المصرية الافريقية في غفلة من الدبلوماسية ففرض علي نفسه أن يكون مهندسا لبناء سُور الدبلوماسية العظيم الممتد من القاهرة إلي بكين مرورا بكل المحطات الافريقية، السيسي يعي دروس التاريخ وتقلبات السياسة وتوازنات القوي، السيسي يدرك أن مصر رقم حاسم في هذه المعادلة من لا يعرف حساباته حتما هو في غفلة من أمره.

الزيارة الرئاسية للصين كانت جولة مكوكية، بل صراعا مع الزمن حاول السيسي خلالها إنجاز أهم ما يمكن انجازه من أجل وطنه، ربما لم تتوقف التوقيعات التي ترتب التزامات وعطاءات للدولة المصرية، الزيارة حققت الاتفاق علي ما يلي:

- الاستفادة من تجربة أكاديمية الحزب الشيوعي الصيني في إعداد الكوادر والقيادات.

- مشروعات الطاقة المتجددة.

- توسعات المدينة الصناعية المصرية.

- زيادة حجم التبادل التجاري.

- فتح الأسواق الصينية أمام المنتج المصري.

- زيادة حجم الاستثمارات المشتركة.

- تعزيز برامج التبادل الثقافي

- مشروعات الكهرباء

- استكمال الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية.

- انشاء معمل تكرير البتروكيماويات بمحور قناة السويس.

- مشروع منطقة شاوندونج روي للمنسوجات

- مشروع محطة الضخ والتخزين بجبل عتاقة.

- القمر الصناعي المصري.

- مشروع القطار الكهربائي.

كلها اسماء لمشروعات داخل ملفات الدولة المصرية، وربما ما خفي في الكواليس كان أعظم.

في موازين القوي العالمية مصر كتلة صلبة تأثيرات وزنها ذات أصداء مرئية وغير مرئية لا ينكرها إلا من هو خارج الإطار الزماني والمكاني أو عاجز عن ادراك محيطه، التأثير المصري يتدفق حتما حول الإقليم من لا يشعر به يقينا يعاني قصورا في بصيرته السياسية والدبلوماسية.

الحضارات العريقة يدركها بعمق اصحاب العراقة المماثلة.

من دروس التاريخ مصر تعلمت الكثير، جراح الماضي وآلامه تحولت بقوة الفعل المصري إلي تراكم خبرات واضافة لعلوم استراتيجيات بناء الدولة وتأمينها، مصر دولة لم تعد تحت رحمة الصدفة أو المفاجأة، مصر ليست محلا لاحتكار دولي.

أرجع إلي الاستقبال الصيني للرئيس المصري، أرصد الحفاوة التي احاطت به، حجم الاستقبال ليس من كرم الضيافة فحسب بل من عمق وعي صيني بما تحمله الجعبة المصرية من معطيات وبدائل.

مصر بوابة افريقيا معامل أمان المنطقة، مصر صوت العقل الاقليمي، اذا أردت أن تعرف معني الإيثار الاقليمي فلتأت إلي مصر، إذا أردت أن تتعلم كيف يتحطم الإرهاب وتتفكك الطائفية علي صخرة الدولة تعال إلي القاهرة، إذا أردت أن تعيد صياغة مفهومك للدولة الوطنية انظر إلي مصر، بكل هذه المفاهيم كان حجم الاستقبال الصيني.

حاملا هموم وطنه كانت وجهة السيسي الي الصين بعدما حدد هدفه وعقد عزمه ان تتحول الهموم الي ملفات للعمل والامل.

من نافذة طائرته الرئاسية لمح امتداد سُوَر الصين العظيم شاهدا علي صلابة الحضارة التي يحرسها عملاقا عسكريا واقتصاديا ، السيسي قرر اللعب الدبلوماسي مع الكبار .

انتهت الزيارة ليعود الرئيس الي مقعده في الطائرة الرئاسية، عاود النظر مرة اخري قبل ان تختفي اثار السور العريق ، ساعتها قرر الا يغيب هذا السور الامين عن أنظار الدولة المصرية ، ساعتها قرر بناء سُوَر الدبلوماسية العظيم علي طول امتداده من القاهرة الي بكين ، سُوَر الدبلوماسية العظيم سُوَر لو تعلمون عظيم. نقلا عن صحيفة أخبار اليوم.