حلم العمل انتهى بكارثة.. كيف دفعت الديون والضغوط فتاة الإسماعيلية إلى نهاية صادمة؟
لم تكن فاطمة محمود جابر تعرف أن الفستان الأبيض الذي طالما حلمت بارتدائه لن يكون فستان زفاف كما تخيلت، بل كفنًا يودعها إلى مثواها الأخير.
في قرية سرابيوم بمحافظة الإسماعيلية، خيم الحزن على منزل بسيط استبدلت فيه الزغاريد المتوقعة بصيحات البكاء، بعدما أنهت فتاة في الثالثة والعشرين من عمرها حياتها، تاركة وراءها أسئلة مؤلمة عن الضغوط والديون والأحلام التي تحطمت قبل أن تكتمل.
كانت فاطمة فتاة عادية، تحمل طموحات بسيطة تشبه أحلام آلاف الفتيات في عمرها. أرادت أن تساعد أسرتها، وأن يكون لها مصدر دخل يخفف أعباء الحياة عن والديها. لهذا التحقت قبل سنوات بالعمل في إحدى جهات التمويل التي تمنح قروضًا للمشروعات الصغيرة.
في البداية بدا كل شيء طبيعيًا، وكانت مهمتها التسويق وجذب العملاء للحصول على القروض، لكن مع مرور الوقت بدأت الأزمة تتشكل في صمت.
تروي والدتها القصة والدموع لا تفارق عينيها، قائلة إن ابنتها بدأت العمل وهي في التاسعة عشرة من عمرها، ولم تكن تدرك أن أوراقًا وقعتها في بداية مشوارها ستتحول لاحقًا إلى كابوس يلاحقها كل يوم.
مرت السنوات الأولى دون مشكلات تُذكر، قبل أن يبدأ بعض العملاء الذين كانت تتعامل معهم في التخلف عن سداد الأقساط المستحقة عليهم. هنا، بحسب رواية الأسرة، بدأت الضغوط تتزايد على الفتاة الشابة، وطُلب منها تحمل مسؤولية سداد مبالغ لا تخصها.
حاولت فاطمة الهروب من الأزمة كما يفعل كثيرون، واقترضت لتسدد، ثم اقترضت مرة أخرى لتغطي القرض الأول، حتى وجدت نفسها محاصرة بدائرة لا تنتهي من الديون.
شيئًا فشيئًا تحولت حياتها إلى معركة يومية، فالأسرة باعت ما تملكه من مصوغات، والأقارب حاولوا المساعدة، والجميع كان يبحث عن مخرج، لكن الديون كانت تتراكم أسرع من أي محاولة للنجاة.
وتقول الأم إن ابنتها لم تكن تستطيع التراجع أو ترك العمل بسهولة، بعدما وقعت على إيصالات وأوراق كانت تخشى أن تستخدم ضدها، فاستمرت في مواجهة الضغوط وحدها بينما كانت تخفي حجم معاناتها الحقيقية.
وجاءت الأيام الأخيرة أكثر قسوة، وكانت فاطمة مطالبة، وفق رواية أسرتها، بتدبير نحو 30 ألف جنيه خلال فترة قصيرة، مبلغ بدا مستحيلًا بالنسبة لفتاة استنزفت كل ما تملك، ومع تزايد الاتصالات والمطالبات، دخلت في حالة نفسية صعبة، وبدأ الصمت يحل محل الكلمات.
في يوم وفاتها خرجت مع والدتها كأي يوم عادي. لم يلحظ أحد أن شيئًا خطيرًا يدور داخلها. اختفت لدقائق قليلة ثم عادت وكأن شيئًا لم يكن.
بعد ساعات بدأت تشكو من آلام حادة في معدتها. سارعت الأسرة بنقلها إلى المستشفى، وظل الجميع يعتقد أنها أزمة صحية مفاجئة، قبل أن تتكشف الحقيقة الصادمة.
كانت فاطمة قد ابتلعت مادة سامة، وحاول الأطباء إنقاذها، لكن الوقت كان قد تأخر. وبين جدران المستشفى لفظت الفتاة أنفاسها الأخيرة، لتنتهي رحلة قصيرة من العمر وطويلة من المعاناة.
في منزل الأسرة لا تزال الأم تتشبث بصورة ابنتها، وتردد كلمات تختصر حجم المأساة: "كنت أحلم أن ألبسها فستان الفرح.. فوجدت نفسي ألبسها الكفن".
القصة لم تتوقف عند الوفاة، بل تحولت إلى قضية رأي عام أثارت مطالبات بفتح تحقيق شامل في الملابسات التي سبقت الحادث، والضغوط التي تعرضت لها الفتاة، والبحث في طبيعة العلاقة التي ربطتها بجهة عملها، وكيف وصلت شابة في مقتبل العمر إلى قناعة مأساوية بأن الموت هو المخرج الوحيد من أزمتها.
بسبب الديون.. تفاصيل مروعة في إنهاء فتاة الإسماعيلية حياتها
علق الإعلامي مصطفى بكري على واقعة انتحار فتاة الإسماعيلية ضحية القروض، معلقا: من أكثر من سنتين واحنا اتكلمنا عن شركات تمويل المشروعات الصغيرة، أو القروض من شركات التمويل، مواصلا: عرضنا وقائع مقلقة عن وجود تلاعب في حسابات بعض العملاء واستغلال لناس بسيطة ومحدودة الدخلا، بدل مايدوروا على فرص لتحسين حياتهم لقوا نفسهم داخل دوامة مشاكل مالية وقانونية ملهمش ذنب فيها.
وأضاف الإعلامي مصطفى بكري خلال برنامج حقائق وأسرار على قناة صدى البلد: في حلقة بتاريخ 24 فبراير 2024 عملنا تقرير ميداني مع عدد من المتضررين سواء كانوا عملاء أو موظفين ووضحنا خطورة شركات القروض التي تستغل البسطاء من المواطنين.
وأوضح بكري أنه خلال الأيام الماضية استيقظنا على خبر انتحار فاطمة محمود جابر من قرية سرابيون بمحافظة الاسماعيلية، والتي كانت تعمل في إحدى شركات القروض، حتى دخلت في دوامة الديون، بعد ما طُلب منها سداد مديونيات بعض المقترضين بوعد من الدائنين إرجاع الأموال إليها.
واختتم قائلا: «مع الوقت مدخرات البنت خلصت، وبقت مش قادرة تغطي المبالغ المطلوبة، فأقنعوها بأسماء أمها وأخواتها وبعض المقربين لحل الأزمة مؤقتًا، لكن الديون تراكمت بشكل أسرع من قدراتها من التحمل، ولقيت نفسها محاصرة من كل اتجاه حتى انتهى الأمر بالنهاية المأساوية التي هزت الجميع».
تابعوا قناة صدى البلد على تطبيق نبض