عبد العزيز مخيون.. "مشخصاتي" عاند ذكاء عبد الوهاب وندم على نصيحة سعاد حسني

في عالم الفن وقف الفنان القدير الراحل عبد العزيز مخيون كأحد أبرز المشخصاتية الذين قدموا الأداء التمثيلي في أصفى صوره وأكثرها عمقاً وهدوءاً، هو ليس مجرد ممثل يمر أمام الكاميرا بل هو صاحب مدرسة أكاديمية وثقافية راسخة آمن بأن الموهبة بلا وعي وبلا دراسة للمسرح العالمي هي محض صدفة لا تدوم، ومن ريف البحيرة إلى منحة فرنسا صاغ مخيون مسيرة حافلة امتدت لأكثر من نصف قرن جعلته ركيزة أساسية في السينما والدراما التلفزيونية.

النشأة والبدايات من أبو حمص إلى مسرح الفلاح

ولد الفنان الكبير عبد العزيز مخيون عبد السميع مخيون في مركز أبو حمص بمحافظة البحيرة في الثالث من يونيو عام 1943 ونشأ في بيئة ريفية تركت أثراً بالغاً في وجدانه وشكلت رؤيته للفن كرسالة اجتماعية وتنموية قبل أن يكون وسيلة للمتعة والتسلية.

التحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية ليتسلح بالدراسة الأكاديمية وتخرج في قسم التمثيل والإخراج عام 1973، ولم يتوقف طموحه عند حدود التخرج بل سافر في منحة دراسية إلى فرنسا لدراسة الإخراج المسرحي مما منحه أفقاً عالمياً في فهم أبعاد الشخصية الدرامية.

عبد العزيز مخيون

وفي عام 1985 ترجم مخيون عشقه للقرية المصرية بتأسيس تجربة رائدة وفريدة تعرف باسم مسرح الفلاح، وهدفت هذه التجربة الاستثنائية إلى الخروج بالمسرح من القاعات المغلقة في العاصمة والتوجه مباشرة إلى قلب القرى والنجوع لتقديم عروض مسرحية حقيقية تنبثق من واقع الفلاحين وتناقش قضاياهم الحياتية بصورة إبداعية مخلصة تعبر عن وجدان الأرض.

سر السندريلا نصيحة ذكية ندم مخيون على تجاهلها

رغم ما يتمتع به مخيون من ثقافة واسعة وموهبة فذة إلا أن كواليس لقاءاته مع كبار النجوم شهدت تحولات أثرت على طريقته في إدارة مسيرته الفنية ولعل أبرز هذه الكواليس ما دار بينه وبين السندريلا سعاد حسني أثناء تصوير فيلم الجوع.

رصدت السندريلا بذكائها الفني أسلوبه في التعامل وقالت له مباشرة إنك لا تجيد إدارة نفسك كفنان وأضافت قائلة أنت عندك موهبة كبيرة خسارة تضيعها ولازم تجيب حد يدير شغلك لأن الموهبة والثقافة مش كفاية في عالم الفن.

سعاد حسني وعبد العزيز مخيون

وقد اعترف مخيون في لقاءات تلفزيونية عديدة بأنه ندم ندمًا شديدًا لعدم العمل بنصيحة السندريلا الغالية حيث كان يفتقد لمهارات التسويق الفني وإدارة العلاقات الفنية.

لم تكن سعاد حسني وحدها من لاحظت ذلك بل إن السيناريست الكبير عبد الحي أديب وجه له نصيحة مشابهة لاحقاً حين طالبه بأن ينظر لذكاء الموسيقار محمد عبد الوهاب في إدارة نفسه وأن يتعلم منه حتى لا يقع في أزمة عدم إدارة الموهبة بشكل تسويقي صحيح.

عامان من الخصام والجفاء مع أحمد زكي كيف أنهته الإنسانية

تميز عبد العزيز مخيون بطبعه الصارم وصراحته الشديدة التي لا تقبل المساومة في العمل الفني وهذه الصراحة قادته إلى صدام شهير مع النجم أحمد زكي.

خلال التجهيز لأحد الأعمال الفنية المشتركة طرأت تعديلات على السيناريو ورأى مخيون أن هذه التعديلات جاءت لخدمة نجومية أحمد زكي على حساب البناء الفني المتكامل للعمل الدرامي.

ولم يتردد مخيون في إبداء رأيه بوضوح تام مما أثار غضب النجم أحمد زكي وترتب على ذلك جفاء وقطيعة كاملة بين النجمين استمرت لمدة عامين كاملين دون أي تواصل، إلا أن هذه القطيعة ذابت تماماً أمام الموقف الإنساني النبيل فبمجرد علم مخيون بمرض أحمد زكي ودخوله المستشفى في أيامه الأخيرة نحى الخلافات الفنية جانباً وقام بزيارته فوراً لتنتهي القطيعة بلحظة عناق ومصالحة إنسانية مؤثرة أثبتت أن الفن الحقيقي ينبع من مشاعر صادقة.

احمد زكي وعبد العزيز مخيون

المحطات الفنية البارزة وعبقرية تجسيد الشخصيات

امتاز عبد العزيز مخيون بقدرته الاستثنائية على التغلغل في أعماق الشخصيات المركبة وتحديداً الشخصيات التاريخية والموسيقية، وفي مقدمة هذه الأعمال تجسيده العبقري لشخصية الموسيقار محمد عبد الوهاب حيث قدمها ببراعة منقطعة النظير في مسلسلي أم كلثوم وأسمهان بعد أن درس لغة جسد الموسيقار الراحل وطبقات صوته ونبراته ليقدم محاكاة درامية أشاد بها النقاد والجمهور على حد سواء.

كما قدم مخيون شخصية الباشا صبري طوبار كأحد الأدوار الأيقونية في الملحمة الدرامية ليالي الحلمية إلى جانب تجسيده الرائع لشخصية الشيخ حسني المرشد الروحي في الجزء الأول من مسلسل الجماعة وهو الدور الذي كشف عن قدرته الفائقة على تجسيد التحولات الفكرية والنفسية المعقدة لتضاف إلى رصيده الحافل بأعمال ممتدة مثل الشارع الجديد وشيخ العرب همام والبرنس وجزيرة غمام.

عبد العزيز مخيون

وفي السينما تعاون مخيون مع كبار مخرجي الواقعية والسينما المصرية مثل عاطف الطيب ويوسف شاهين وترك بصمات خالدة في فيلم الهروب من خلال تقديم دور ضابط الشرطة المثالي أمام أحمد زكي وفيلم الكارنك الذي شكل إحدى بداياته السينمائية القوية بالإضافة إلى مشاركته المتميزة في فيلمي إسكندرية كمان وكمان وحدوتة مصرية مع المخرج يوسف شاهين وصولاً إلى مشاركاته في السينما الحديثة عبر أفلام دم الغزال والفرح ودكان شحاتة.