من الطرحة إلى الركام.. حكايات الوجع من تحت أنقاض العقار المحترق والمنهار بمنشأة ناصر

لم يكن فجر الثلاثاء عاديًا في حارة عبد التواب من الدمراني بمنطقة منشأة ناصر. كانت عقارب الساعة تقترب من الثالثة والنصف صباحًا، بينما كان السكان غارقين في نومهم داخل شقق متواضعة احتضنت أحلامًا صغيرة جمعها أصحابها على مدار سنوات طويلة. لكن في دقائق معدودة، تحولت الأحلام إلى رماد، وتحولت البيوت إلى ركام، وتحولت الحارة الهادئة إلى مسرح لكارثة لن ينساها سكانها طويلًا.

بدأت المأساة عندما اندلع حريق هائل داخل مخزن أخشاب يقع أسفل أحد العقارات السكنية. ومع وجود كميات كبيرة من المواد سريعة الاشتعال، انتشرت النيران بسرعة هائلة، وصعدت ألسنة اللهب إلى الطوابق العليا، بينما كان السكان يحاولون استيعاب ما يحدث حولهم.

وسط هذا المشهد، كانت عائشة سيد إبراهيم تستعد لمرحلة جديدة في حياتها. فتاة مخطوبة كانت تحلم بيوم زفافها بعد أشهر قليلة، وتنتظر اكتمال جهازها الذي شاركت الأسرة كلها في تجهيزه. والدها رحل عن الدنيا منذ سنوات، لكنه ترك لها جزءًا من تجهيزاتها قبل وفاته، بينما واصلت والدتها استكمال ما بدأه رغم المرض وظروف الحياة القاسية.

تروي عائشة أن النيران وصلت إلى شقتها في لحظات، قائلة إن شباك الصالة اشتعل فجأة بفعل ألسنة اللهب القادمة من المخزن أسفل العقار. لم يكن هناك وقت لإنقاذ شيء. استيقظ الجميع على صرخات الجيران وأصوات الانفجارات وفرقعة الزجاج. هرع السكان إلى السلالم في محاولة للنجاة بأرواحهم، بينما كانت النار تلتهم كل ما بداخل الشقق.

خرجت عائشة من المنزل كما خرج غيرها من السكان، لكنها حملت معها شيئًا واحدًا فقط. طرحة زفافها. لم تتمكن من حمل هاتفها، ولا أوراقها، ولا ملابسها، ولا أي قطعة من جهازها. كانت الطرحة آخر ما تبقى من حلم كانت تنتظره منذ سنوات.

خلفها، كانت النيران تلتهم كل شيء. الثلاجة، الغسالة، البوتاجاز، الأثاث، المفروشات، الملابس، أواني المطبخ، وحتى الأموال التي كانت تدخرها الأسرة استعدادًا للزفاف. تقول إن قيمة ما فقدته تجاوزت مئات الآلاف من الجنيهات، وإن سنوات من التعب والعمل اختفت في ساعات قليلة.

ولم تكن مأساة عائشة الوحيدة داخل العقار المنكوب. في شقق أخرى، كان سكان المنطقة يواجهون المشهد نفسه. أسر خرجت بملابس النوم، وأطفال استيقظوا على أصوات الانهيار، وعائلات تركت خلفها ذكريات عمر كامل دون أن تتمكن من إنقاذ شيء.

إحدى السيدات اللاتي عشن الكارثة تتذكر تلك اللحظات وكأنها حدثت قبل دقائق. تقول إن أصوات الشبابيك وهي ترتطم بقوة أيقظت الجميع من النوم، وعندما نظرت إلى الخارج وجدت النيران تحاصر العقار من كل جانب. لم يكن أمام السكان سوى الهروب.

وسط الفوضى، كانت قوات الحماية المدنية ورجال الشرطة يخوضون سباقًا مع الزمن لإنقاذ من تبقى داخل المبنى. كان رجال الإطفاء يتقدمون نحو النيران بينما يحاول آخرون إخلاء السكان من الطوابق العليا.

تقول السيدة إنها شاهدت أحد الضباط يصعد إلى العقار لمساعدة السكان على النزول، رغم أن النيران كانت تحيط به من كل اتجاه. كان المشهد أشبه بمعركة غير متكافئة بين رجال الإنقاذ والنيران المشتعلة. وبعد ساعات، علمت أن الضابط استشهد أثناء أداء واجبه.

لم تتوقف الخسائر عند هذا الحد. فقد شهد الحادث استشهاد أمين شرطة وأحد الأهالي أيضًا، بينما أصيب عدد آخر من المواطنين بإصابات وحالات اختناق خلال عمليات الإنقاذ والإطفاء.

ومع استمرار اشتعال النيران، بدأ العقار يفقد توازنه تدريجيًا. أجزاء منه انهارت أولًا، قبل أن يسقط المبنى بالكامل وسط سحب كثيفة من الدخان والغبار. لم يعد هناك أثر للشقق التي عاش فيها السكان سنوات طويلة. اختفت الغرف، واختفت الشرفات، وتحولت المنازل إلى كتل من الخرسانة والحديد المحطم.

ولم يقتصر تأثير الحريق على العقار المنهار فقط، بل امتد إلى المباني المجاورة. فقد تأثرت زاوية الرحمن المجاورة للعقار، وانهار جزء منها نتيجة الحرارة الشديدة وأعمال التبريد التي استمرت لساعات طويلة بعد السيطرة على الحريق.