«خرجوا لـ لقمة العيش».. حكاية الوجع وآخر ما تبقى على طريق الدواويس بالإسماعيلية

لم يعد طريق «الدواويس» بمركز القصاصين في الإسماعيلية مجرد طريق شهد حادثًا مروعًا، بعدما تحول في ساعات قليلة إلى شاهد على واحدة من أكثر الحكايات وجعًا؛ هنا توقفت رحلات عمال وأطفال خرجوا من بيوتهم قبل شروق الشمس، يحملون أحلامًا بسيطة لا تتجاوز أجرة يوم عمل، وهناك على جانبي الطريق تناثرت متعلقاتهم، وكأن أصحابها تركوها خلفهم على عجل، دون أن يعرفوا أنها ستكون آخر ما تبقى منهم.

شباشب بلاستيكية أرهقتها أقدام الشقيانين، كاب ممزق، وحافظة جلدية قديمة اختلطت أوراقها بالتراب وقطرات الدم.. أشياء صغيرة، لكنها بدت أكبر من الكلام كله، تحكي عن أصحابها أكثر مما تستطيع الصور أن تفعل. كانت العربتان تحملان عمالًا في طريقهم إلى المزارع للعمل في جمع السوداني، قبل أن تنقلب الرحلة في لحظة واحدة إلى مأساة خلفت 15 قتيلًا و32 مصابًا، وفق الحصيلة الأولية.

وسط هذا المشهد، كانت جومانا، الفتاة التي لم تتجاوز 17 عامًا، تحاول أن تستوعب ما حدث، «أنا جومانا.. عندي 17 سنة»، تقولها بصوت يحمل ثقل يوم أكبر من عمرها، ثم تبدأ في استعادة تفاصيل الساعات التي سبقت الحادث: «كنت رايحة المزرعة ورا العاشر مع أختي وأخويا، عشان نشتغل في جمع السوداني.. اليومية كانت 100 جنيه، وكنا حوالي 30 نفر وكلنا جيران».

لم تكن جومانا ذاهبة إلى نزهة، ولا إلى رحلة عابرة كانت ذاهبة للعمل، فمنذ الخامسة صباحًا يبدأ يومها، مثل عشرات الأطفال والعمال الذين يخرجون بحثًا عن رزقهم، كانت تعرف أن المائة جنيه التي تحصل عليها في نهاية اليوم ليست مجرد أجر، وإنما جزء من مصروف بيت تحاول أن تساعد فيه والدتها، تقول: «أنا بشتغل عشان أساعد أمي.. هي ست مطلقة، وبدي لها كل اللي بكسبه».

ثم تأتي اللحظة التي تتوقف عندها الكلمات، فكانت جومانا نائمة داخل السيارة، ولم تعرف كيف وقع الحادث، ولم ترَ اللحظة التي انقلبت فيها السيارة، ولم تدرك كيف تحول الطريق إلى صراخ ودماء، وكل ما تعرفه أنها فتحت عينيها على واقع لم تكن مستعدة له، «كنت نايمة ومش عارفة إيه اللي حصل.. لقيت أختي ماتت وأخويا اتنقل مستشفى الإسماعيلية».

أختها لم تكن امرأة كبيرة، كانت طفلة في الثانية عشرة من عمرها، وأخوها لم يكن سوى صبي في الرابعة عشرة، ثلاثة أشقاء خرجوا في الصباح نفسه، فعادت جومانا وحدها تحمل خبرًا لا تستطيع فتاة في السابعة عشرة أن تحمله، «محدش كان متخيل إننا هنرجع بالوجع ده.. أنا لحد دلوقتي مش مستوعبة إن أختي ماتت وأخويا في المستشفى».

لكن وجع جومانا لم يكن الحكاية الوحيدة التي خبأها الطريق، ففي مكان آخر، كانت أم تنتظر خبر ابنها، بعدما فقدت ابنيها الاثنين في الحادث، ولم يملك من حولها الشجاعة الكافية ليخبروها بالحقيقة.

كانت تأتي وتسأل عن أحد أبنائها، فيقولون لها إنه في مستشفى الإسماعيلية، وإنه بخير وسيعود، ولم يكن أحد قادرًا على نطق الجملة التي يمكن أن تهدم قلبها في لحظة: «ابنك الثاني مات أيضًا».

كانت الأم تظن أنها جاءت لتستلم جثمان أحد أبنائها، بينما الحقيقة أن الحادث أخذ منها الاثنين، يقول الأهالي: «في ست ولادها الاتنين ماتوا في الحادث، وهي جاية تستلم جثة واحد بس، والناس مش عارفة تقول لها إن التاني كمان مات.. كل ما تسأل عن ابنها نقول لها إنه في مستشفى الإسماعيلية وإنه كويس وهييجي».

يقول أحد الأهالي إن الحوادث على هذا الطريق ليست جديدة، وإن الأهالي اعتادوا رؤية الدماء على الأسفلت، متسائلين عن مصير عمال وفلاحين لا يملكون سوى أجسادهم التي يخرجون بها كل صباح بحثًا عن العمل، «الطريق ده بقاله سنين بيحصل عليه حوادث.. ولسه إمبارح فيه 3 ماتوا عليه، والطريق لحد دلوقتي مش متظبط».

كان العمال يخرجون منذ السادسة صباحًا، ويعودون في الرابعة عصرًا، يقضون يومهم بين الأراضي الزراعية، يحملون ما يستطيعون من التعب مقابل أجر بسيط، «الغلابة بيطلعوا من الساعة 6 الصبح لحد 4 العصر عشان يشتغلوا في الأرض الزراعية ويرجعوا ياكلوا عيش بالحلال».

وفي نهاية الطريق، لم تكن هناك حقائب سفر أو متعلقات ثمينة، فقط شبشب فقد صاحبه، وكاب لم يعد صاحبه ليضعه على رأسه، وحافظة قديمة ظلت أوراقها ملقاة على الأرض، ومتعلقات بسيطة لأناس كانت حياتهم بسيطة أيضًا؛ خرجوا من بيوتهم بحثًا عن يومية تعين أمهاتهم وأسرهم، لكنهم لم يعودوا، وظل الطريق يحمل آثارهم، بينما عادت سيارات الإسعاف محملة بالمصابين، وذهب آخرون إلى المستشفيات والجثامين إلى المشرحة.