صحة الشيوخ: إقالة مدير مستشفى قنا لا تكفي لإنهاء الأزمة.. والإصلاح يبدأ ببناء المؤسسات لا بتغيير الأشخاص

أكد النائب خالد قنديل، أمين سر لجنة الصحة بمجلس الشيوخ، أن واقعة مستشفى قنا العام تفتح نقاشًا جادًا حول فلسفة الإدارة في المرافق العامة، مشددًا على أن مبدأ المحاسبة ركيزة أساسية في بناء الدولة الحديثة، خاصة في قطاع الصحة المرتبط بحياة المواطنين وكرامتهم.

وأشار إلى أن المحاسبة حتى تحقق غايتها يجب أن تستند إلى أسس موضوعية وإجراءات مؤسسية تضمن العدالة قبل أن تحقق الردع، مضيفًا أن أي مسؤول يتولى قيادة مؤسسة خدمية يتحمل مسؤولية الأداء ويخضع للتقييم والمساءلة حال ثبوت التقصير، لكن الإدارة الرشيدة لا تختزل أزمة مؤسسة كاملة في شخص واحد.

وأوضح أن المستشفى منظومة متكاملة تتداخل فيها الإمكانات البشرية والموارد المالية وسلاسل الإمداد والإشراف الفني والإداري، وهي عوامل قد تتجاوز صلاحيات المدير نفسه.

وشدد على ضرورة التفريق بين القرار الإداري بإعفاء مسؤول من موقعه، وهو أمر يدخل في السلطة التقديرية للجهة المختصة، وبين تحميله مسؤولية قانونية أو تأديبية، مؤكدًا أن الأخير لا تكتمل مشروعيته إلا بتحقيق إداري محايد يحدد الوقائع ويستمع إلى جميع الأطراف ويبين المسؤوليات بدقة، لأن العدالة لا تقوم على الانطباعات وإنما على الأدلة والحقائق.

وأضاف أن التحقيق الإداري ليس وسيلة لتعطيل المحاسبة أو حماية المقصر، وإنما ضمانة تمنح القرار قوته القانونية والأخلاقية، وتحافظ على هيبة الدولة ومؤسساتها، وتحمي حقوق العاملين من أن تتحول المسؤولية إلى تقدير شخصي أو استجابة لضغط الرأي العام.

وتابع: "نجاح أي زيارة ميدانية مفاجئة لا يقاس بعدد قرارات الإعفاء، وإنما بقدرتها على إحداث إصلاح مؤسسي مستدام يعالج جذور المشكلة، فإذا كانت أسباب القصور نقصًا في الأطباء أو التمريض، أو ضعف الإمكانات، أو خللًا في منظومة التشغيل، فإن تغيير المدير وحده لن يكون كافيًا، لأن الأزمة ستعيد إنتاج نفسها مهما تغيرت الأسماء".

وأكد عضو مجلس الشيوخ، أن المواطن لا يعنيه من يجلس على مقعد المدير بقدر ما يعنيه أن يجد خدمة صحية آمنة، وطبيبًا متواجدًا، ودواءً متوفرًا، وبيئة علاجية تليق بإنسانيته، مشيرًا إلى أن المعيار الحقي لنجاح أي قرار إداري هو انعكاسه على جودة الخدمة المقدمة للمريض.

وقال: "الدولة القوية ليست تلك التي تكثر فيها قرارات الإقالة، وإنما التي تبني منظومة تمنع أسباب الإقالة من الأساس، عبر الحوكمة الرشيدة والرقابة المستمرة ووضوح المسؤوليات وربط السلطة بالمساءلة وفق قواعد عادلة وشفافة".

وأشار إلى أن قرار محافظ قنا بإعفاء مدير مستشفى قنا العام عقب الجولة التفتيشية المفاجئة يظل جزءًا من إدارة الأزمة وليس نهايتها، وأن نجاحه لن يقاس بتغيير اسم المدير، وإنما بما ستسفر عنه التحقيقات والإجراءات اللاحقة، وبقدرة المنظومة الصحية على معالجة الأسباب الحقيقية التي أفرزت أوجه القصور.

وأوضح النائب أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تغيير الأشخاص، بل من بناء مؤسسات قادرة على العمل بكفاءة، ومحاسبة عادلة تستند إلى الحقائق، وتضمن في الوقت ذاته حق الدولة في الرقابة، وحق المسؤول في تحقيق منصف، وحق المواطن في خدمة صحية تليق به.