الأوقاف: والدا النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الفترة وأصوله شريفة طاهرة

ردت وزارة الأوقاف على محاولة القدح أو الاستفزاز بوالدي النبي ﷺ والاعتداء على أصوله الشريفة الطاهرة.

رد الأوقاف على القدح في والدي النبي

 

اتفق العلماء وأئمة أهل السنة على نجاة الأبوين الشريفين لوقوعهما في زمن الفترة بين الرسل، مستندين في ذلك إلى نصوص قرآنية قطعية، ويتجاوز كلامنا مجرد البحث التاريخي ليتصل بأصل أدبي وأخلاقي يوجب صون الجناب النبوي المعظم ﷺ عن كل ما يؤذيه، وتنزيه أصوله الطاهرة عن شوائب الشرك والجفاء؛ إعمالًا للقواعد الأصولية التي تُحكم النصوص وتجمع بين شتات الأدلة.

 الأدلة الشرعية على نجاة الأبوين الشريفين للني صلى الله عليه وسلم

 

للعلماء في إثبات هذا الحُكم والاستدلال عليه عِدَّةُ طُرُقٍ:

أوَّلُها وأهَمُّها: أن الأبوين الشريفين مِن أهل الفَترة؛ لأنهما مَاتَا قَبل البعثة، ولا تعذيب قَبلَها، وقد صَرَّح أئمةُ أهل السنة أنَّ مَن مات ولم تَبلُغه الدعوةُ يَموتُ ناجِيًا، ومِمَّن صَرَّح بذلك العلَّامةُ الأَجهُورِي فيما نَقَلَه عنه العلَّامة النفراوي في (الفواكه الدَّوَاني)، وشَرَفُ الدِّين المُناوي فيما نَقَلَه عنه الحافظ السيوطي في [الحاوي للفتاوي]، ونَقَلَ سِبطُ ابن الجَوزِي هذا القولَ عن جماعةٍ مِن العلماء مِنهم جَدُّهُ الحافظ أبو الفَرَج ابن الجَوزِي الحَنبَلِي، وجَزَم بهذا القولِ العلَّامةُ الأُبِّي في 'شرحه على صحيح مُسلِم'، ومَالَ إليه الحافظ ابن حجر في بعض كتبه كَمَا نَقَلَ عنه الحافظ السيوطي في (مَسَالِك الحُنَفَا).

واستَدَلُّوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِینَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولࣰا﴾ [ الإسراء:١٥ ]، وقوله تعالى: {ذَٰلِكَ أَن لَّمۡ یَكُن رَّبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمࣲ وَأَهۡلُهَا غَٰفِلُونَ}  [الأنعام: ١٣١]، وبآياتٍ وأحاديث أُخرى، فوالِدَا المصطفى ﷺ مِن أهل الفَترة؛ لأنهما رضي الله عنهما مَاتَا في أول شبابهما ولم تَبلُغْهُما الدَّعوةُ؛ لِتَأَخُّرِ زَمانِهِما وبُعده عن زَمانِ آخِرِ الأنبياء؛ وهو سيدنا عيسى - عليه السلام - ولِإطباقِ الجَهلِ في عَصرهما، فلم يَبلُغ أَحَدًا دعوةُ نبيٍّ مِن أنبياء الله إلَّا النَّفَرَ اليَسِيرَ مِن أحبارِ أهل الكتاب في أقطار الأرض كالشام وغيرها، ولم يُعهَد لهُما التَّقَلُّبُ في الأسفار ولا عَمَّرَا عُمرًا يُمكِن معه البحثُ عن أخبار الأنبياء، وهُما لَيْسَا مِن ذُرِّيَّة سيدنا عيسى - عليه السلام - ولا مِن قَومِه، فبَانَ أنهما مِن أهل الفَترة بلا شَكّ.

فلا نرد نصًا قطعي المتن قطعي الدلالة، بنص ظني المتن وظني الدلالة عند الترجيح بينهما مثل حديث «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ» [مسلم: ٢٠٣] فتقرر من أنهما أهل فترة.

وهذا اعتمادًا على نص من كتاب الله القطعي المتن وقطعي الدلالة، وما كنا لنرد نصًّا قطعي المتن قطعي الدلالة، بنص ظني المتن وظني الدلالة عند الترجيح بينهما، فهذا الحديث خبر آحاد، ومثله حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عند مسلم: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي» [مسلم: ٩٧٦]، ولكن أخبار الآحاد ظنية المتن، فلا يرد بها نص قرآني قطعي المتن، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِینَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولࣰا﴾ [ الإسراء:١٥ ]؛ أي: ولا مُثيبين.

وهذا النص قطعي الدلالة لا يحتمل غير ما يدل عليه لفظه بالمطابقة، بخلاف حديث: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ»؛ فإنه ظني الدلالة؛ ويحتمل أنه يعني بقوله: «إِنَّ أَبِي» عمه أبا طالب؛ لأن العرب تسمي العم: أبًا، وجاء بذلك الاستعمال كتاب الله العزيز في موضعين:

أحدهما: قطعي المتن قطعي الدلالة؛ وهو قوله تعالى في البقرة: ﴿قَالُوا۟ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَاۤئِكَ إِبۡرَٰهِۦمَ وَإِسۡمَٰعِیلَ وَإِسۡحَٰقَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، وسيدنا إسماعيل – عليه السلام -عمه قطعًا؛ فهو يعقوب بن سحاق بن إبراهيم.

والموضع الثاني: قطعي المتن لكنه ظني الدلالة، وهو قوله تعالى: ﴿وَوَهَبۡنَا لَهُۥۤ إِسۡحَٰقَ وَیَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَیۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَیۡنَا مِن قَبۡلُۖ﴾ إلى أن قوله تعالى: ﴿وَإِسۡمَٰعِیلَ وَٱلۡیَسَعَ وَیُونُسَ وَلُوطࣰاۚ﴾ [ الأنعام: ٨٤/٨٦]؛ فهو نص قرآني على أن سيدنا إبراهيم - عليه السلام - يطلق عليه أبٌ للوط - عليه السلام - وهو عمه على ما وردت به الأخبار، إلا أن هذا النص ظني الدلالة لأنه يحتمل أن يكون الضمير من قوله تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّیَّتِهِۦ﴾ [الأنعام: ٨٤] يرجع إلى سيدنا نوح – عليه السلام - لأنه قال في الآية من قبل ذلك: ﴿وَنُوحًا هَدَیۡنَا مِن قَبۡلُۖ﴾ [الأنعام: ٨٤]، ولكنه احتمال مرجوح ؛ لأن الكلام عن سيدنا إبراهيم – عليه السلام.

إذًا فإنه يحتمل أنه - ﷺ - لما سأله الأعرابي بقوله: «أَينَ أَبِي؟» وقال له: إن أباك في النار وولّى والحزن باد عليه، فقال - ﷺ: «رُدُّوه عَلَيَّ» فلما رجع قال له: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ».

ومما يدل على ان آزر عم سيدنا إبراهيم - عليه السلام - وليس والده أن الله تعالى قال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِیِّ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَن یَسۡتَغۡفِرُوا۟ لِلۡمُشۡرِكِینَ وَلَوۡ كَانُوۤا۟ أُو۟لِی قُرۡبَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَیَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِیمِ * وَمَا كَانَ ٱسۡتِغۡفَارُ إِبۡرَٰهِیمَ لِأَبِیهِ إِلَّا عَن مَّوۡعِدَةࣲ وَعَدَهَاۤ إِیَّاهُ فَلَمَّا تَبَیَّنَ لَهُۥۤ أَنَّهُۥ عَدُوࣱّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنۡهُۚ﴾ [التوبة: ١١٣-١١٤] فهذه الآية تدل على أن سيدنا إبراهيم - عليه السلام - قد استغفر لأبيه؛ أي عمه، والعم يُسمى أبًا في اللغة، وفي هذا يقول الإمام الرازي: الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ وَالِدَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ تَارَحَ وَآزَرُ كَانَ عَمًّا لَهُ، وَالْعَمُّ قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْأَبِ، كَمَا حَكَى اللَّه تَعَالَى عَنْ أَوْلَادِ يَعْقُوبَ - عليه السلام - أَنَّهُمْ قَالُوا: ﴿قَالُوا۟ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَاۤئِكَ إِبۡرَٰهِۦمَ وَإِسۡمَٰعِیلَ وَإِسۡحَٰقَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٣٣] وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ كَانَ عَمًّا لِيَعْقُوبَ، وَقَدْ أَطْلَقُوا عَلَيْهِ لَفْظَ الأب فكذا هاهنا. [مفاتيح الغيب = التفسير الكبير لفخر الدين الرازي: ١٣/٣٢ – ط دار إحياء التراث العربي].

وقد جاء في القرآن أن سيدنا إبراهيم - عليه السلام - قد استغفر لوالديه في آخر أيامه بعد أن أصبح شيخا، ورُزق بولدين هما سيدنا إسماعيل وسيدنا إسحاق - عليهما السلام - وذلك بعد موت عمه (آزر أو تارح) بكثير، قال تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِی وَهَبَ لِی عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِیلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّی لَسَمِیعُ ٱلدُّعَاۤءِ * رَبِّ ٱجۡعَلۡنِی مُقِیمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّیَّتِیۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَاۤءِ * رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِی وَلِوَٰلِدَیَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِینَ یَوۡمَ یَقُومُ ٱلۡحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤٠-٤١] وقد علمنا مما سبق أنه - عليه السلام - قد ترك الدعاء لأبيه - أي عمه - بعد أن مات على الكفر، وقد مات قبل أن يبلغ سيدنا إبراهيم - عليه السلام - سن الشيخوخة بكثير، فكيف يعود للاستغفار له مرة أخرى؟.

ولذلك فلا يستقيم أن نجعل هذا الاستغفار في آخر أيام  سيدنا إبراهيم - عليه السلام - من أجل تلك الموعدة التي وعدها إياه، وبذلك يتبين أن آزر ليس والد سيدنا إبراهيم عليه السلام بل عمه قطعا.