رحيل مختار نوح.. الصندوق الأسود الذي فكك أسرار الإخوان من الداخل

غيب الموت المحامي والمفكر مختار نوح، أحد أبرز الأسماء المرتبطة بتاريخ التحولات داخل تيار الإسلام السياسي في مصر، حيث ارتبط اسمه لسنوات طويلة بالجماعة في مرحلتي الصعود والتمكين داخل النقابات المهنية ومجلس الشعب، قبل أن يتحول لاحقًا إلى أحد أبرز الأصوات النقدية والفكرية التي قدمت شهادات من داخل التنظيم، واضعًا نفسه في قلب الجدل حول بنية الجماعة وأساليب عملها وآليات اتخاذ القرار فيها، ليصبح شاهدًا استثنائيًا على مرحلة شديدة الحساسية في تاريخها السياسي والتنظيمي.

من قاعات البرلمان إلى مراجعات السجن

بدأت رحلة مختار نوح مع جماعة الإخوان في وقت مبكر، حيث لمع اسمه كأحد الوجوه القانونية البارزة داخل نقابة المحامين وعضوًا في مجلس الشعب، وكان يُنظر إليه كواجهة سياسية للجماعة في الثمانينيات والتسعينيات، قبل أن تتغير مسار حياته بشكل جذري بعد صدور حكم ضده في قضية النقابيين عام 1999، والتي شملت عددًا من قيادات العمل المهني داخل الجماعة، حيث قضى فترة سجن اعتُبرت نقطة تحول كبرى في مسيرته الفكرية، أعادت تشكيل رؤيته بالكامل تجاه التنظيم وأفكاره.

السجن وبداية القطيعة الفكرية

شكلت فترة السجن محطة فارقة في حياة مختار نوح، حيث بدأ خلالها مراجعة شاملة للأفكار التي تشربها داخل التنظيم، ليصطدم بما وصفه لاحقًا بالاستعلاء التنظيمي وهيمنة الجماعة على أفرادها، معتبرًا أن الولاء داخلها يتجاوز القيم الوطنية لصالح بقاء القيادة العليا، وهو ما عبّر عنه لاحقًا بمصطلح “عبادة التنظيم”، كما أعاد قراءة أفكار سيد قطب التي كانت تُدرّس داخل المعتقلات، ليخلص إلى أنها تحمل توجهات إقصائية وتكفيرية، معلنًا لاحقًا رفضه الكامل لها وانفصاله الفكري والعملي عن الجماعة.

إرث فكري وشهادة من الداخل

ترك مختار نوح إرثًا فكريًا مهمًا تضمن كتبًا وأبحاثًا تناولت بنية التنظيمات المتطرفة، وكان أبرزها كتاب “موسوعة العنف” الذي سعى من خلاله إلى تفكيك الأسس الفكرية والفقهية التي تستند إليها تلك التنظيمات، كما برز كأحد الأصوات المعارضة لما يُعرف بـ”أخونة الدولة”، خاصة خلال فترة حكم الإخوان بين 2012 و2013، حيث قدم قراءات قانونية وسياسية حول محاولات السيطرة على مؤسسات الدولة، مؤكدًا فشل الجماعة في الانتقال من العمل السري إلى إدارة الدولة الحديثة.

شهادة من قلب التنظيم

ما ميز مختار نوح عن غيره من المنتقدين للجماعة أنه كان شاهدًا من داخلها، حيث امتلك معرفة دقيقة بهياكل التمويل وآليات اتخاذ القرار ونقاط الضعف داخل القيادة، وهو ما منح شهاداته وزنًا خاصًا لدى الباحثين والمهتمين بتاريخ الجماعة، كما ظل لسنوات يمثل تيار المراجعات الفكرية الذي يرى أن الإصلاح يبدأ بالاعتراف بالأخطاء، لتتحول كتاباته وتصريحاته إلى مرجع أساسي في فهم تاريخ الإخوان وصراعاتهم السياسية.

تصريحات مثيرة للجدل

خلال سنواته الأخيرة، أدلى مختار نوح بعدد من التصريحات التي أثارت جدلًا واسعًا حول الجماعة، من بينها أن الإخوان حاولوا إسقاط الدولة المصرية بعد 30 يونيو، وأن محمد مرسي لم يكن صاحب القرار الفعلي داخل الحكم، إضافة إلى حديثه عن نفوذ خيرت الشاطر في إدارة الجماعة وأموالها، فضلًا عن تأكيده أن بعض عناصر التنظيم تخلوا عن فكره بعد انكشافه، وأن عددًا من قياداته الهاربة سعت وراء مصالح مالية أكثر من كونها فكرية.

اللحظات الأخيرة في حياته

وكشف عضو مجلس الشيوخ ثروت الخرباوي تفاصيل الساعات الأخيرة في حياة الراحل، موضحًا أنه كان يعاني من أزمة قلبية مزمنة منذ نحو 20 عامًا، وأن حالته تدهورت بشكل مفاجئ قبل نقله إلى المستشفى، حيث خضع لمحاولات طبية شملت تركيب جهاز لتنظيم ضربات القلب، قبل أن يتوقف القلب ويعود للعمل أكثر من مرة، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة بعد نطقه بالشهادتين.

جنازة وتشييع الجثمان

وأعلنت أسرته عبر صفحته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي وفاته مساء الثلاثاء، بعد رحلة طويلة مع العمل العام والكتابات الفكرية، على أن تُقام صلاة الجنازة اليوم الأربعاء عقب صلاة العصر بمسجد مصطفى محمود، ثم يُشيع الجثمان إلى مثواه الأخير بمقابر العائلة بمدينة السادس من أكتوبر، وسط حضور متوقع لعدد من الشخصيات العامة والمهتمين بالشأن الفكري والسياسي.