في ذكرى وفاة جميل راتب.. السلام النفسي ينتصر على المرض وحرية الفن ضد القيود

في ذكرى رحيل الفنان الكبير جميل راتب الذي يوافق اليوم السبت 19 سبتمبر، لا نقتصر على استذكار تاريخه العظيم على الشاشات ومسارح العالم، بل نقف أمام مزيج استثنائي ونادر، فنان ثائر يرفض القيود الفكرية والرقابية حتى آخر نفس، وفيلسوف هادئ ينتصر بالسلام النفسي على قسوة المرض والشيخوخة.

لم يكن جميل راتب ممثل عادي يكتفي بتأدية أدواره ببراعة، بل حمل عقل وثقافة واسعة تشربها من المدارس المصرية والفرنسية، وفي آخر حواراته وتصريحاته التي سبقت رحيله، أطلق مواقف جريئة تؤكد أن الفن الحقيقي لا يعيش في الأقفاص.

مواقف جميل راتب قبل وفاته

طالب الراحل بوضوح بإلغاء الرقابة الفنية تمامًا، مؤكدًا أن حرية الرأي والتعبير هما الأساس لنهضة أي إبداع، وكان يرى أن تقييد الأفكار يقتل روح الابتكار، ورغم رفضه المطلق للرقابة، إلا أنه وضع ضابطًا موضوعيًا وعقلانيًا يتمثل في التصنيف العمري، لكي تُترك الأبواب مفتوحة أمام كل القضايا والأفكار بعيدًا عن التابوهات والمقصات الرقابية التي تعوق انطلاق الفن الجاد.

وعلى الجانب الآخر من هذه الثورة الفكرية، كان الوجه الإنساني لجميل راتب يعكس ملحمة من الرضا والسكينة.

الأيام الأخيرة في حياة جميل راتب

في أيامه الأخيرة، واجه الراحل تحديات صحية قاسية تمثلت في أمراض القلب والضغط، ضعف السمع، والاحتباس الذي حول صوته إلى مجرد همسات رقيقة، فضلاً عن معاناته مع مقعده المتحرك.

لكن هذه الابتلاءات لم تكسر روحه، بل سيطرت عليه حالة عميقة من السلام النفسي، وبشهادة مدير أعماله والمقربين منه، كان راتب مدركًا لأبعاد مرضه وقبله بهدوء، مستقبلاً زيارات زملائه الفنانين بابتسامة دافئة وطلة بهية.

وحتى في مغادرته للدنيا، اختار أن يرحل بنفس الشموخ الهادئ فأوصى بعدم إقامة عزاء له، مكتفيًا بأن يترك خلفه إرث خالد يحيطه حب الجمهور واحترامه.

ورحل عن عالمنا في 19 سبتمبر عام 2018 لكن فلسفته الباقية تثبت أن الفنان الحقيقي هو من يثور لأجل حرية فكره وإبداعه، ويرفض أن ينحني للمرض أو يخضع لقيود الزمن، ليبقى «صاحب الوجوه المتعددة» أيقونة أبدية للثقافة والتحرر والسلام النفسي الداخلي.

جميل راتب

جميل راتب