ماذا يفعل المسلم في العشر الأوائل من ذي الحجة؟.. تفاصيل
أكدت وزارة الأوقاف المصرية أهمية اغتنام العشر الأوائل من شهر ذي الحجة، لما تحمله من نفحات إيمانية عظيمة ومواسم للطاعة والرحمة والمغفرة، مشيرة إلى أن هذه الأيام المباركة تُعد من أعظم أيام العام فضلًا ومكانةً عند الله سبحانه وتعالى.
العشر الأوائل من ذي الحجة
وأوضحت الوزارة أن الله سبحانه وتعالى خصَّ هذه الأيام بمكانة عظيمة، وأقسم بها في كتابه الكريم، كما حثَّ النبي محمد ﷺ على الإكثار فيها من الأعمال الصالحة والذكر والطاعات، لما لها من أثر كبير في تزكية النفوس ورفع الدرجات ومحو الذنوب.
وأضافت وزارة الأوقاف أن العشر الأوائل من ذي الحجة تمثل فرصة عظيمة للمسلمين للتقرب إلى الله بالدعاء والصيام وقراءة القرآن والصدقات وصلة الأرحام، مؤكدة أن هذه الأيام المباركة تُعيد إلى القلوب معاني الإيمان والإنابة واليقين، وتفتح أبواب الأمل والسكينة أمام الجميع.
ودعت الوزارة المواطنين إلى تعمير هذه الأيام بالطاعة والعمل الصالح، والحرص على استثمارها فيما ينفع الفرد والمجتمع، مؤكدة أن مواسم الخير التي يمنّ الله بها على عباده هي فرص متجددة للفوز برضاه ونيل رحمته ومغفرته.
عشرُ ذي الحجة.. حضورٌ متكررٌ في القرآن العظيم
ولعِظَمِ شأنِ العشرِ الأُوَلِ من ذي الحجة، نوَّه القرآن الكريم بفضلها في مواضع متعددة، فجاء ذكرها مشرقًا بين آيات الذكر والحج والمناجاة؛ إشعارًا بعلوِّ منزلتها، ورفعة قدرها عند الله تعالى، فقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وهي - كما قال أهل التفسير- عشرُ ذي الحجة، تلك الأيام التي تمتلئ فيها الأرض بالتكبير والتهليل، وتفيض فيها القلوب بمعاني العبودية والخضوع.وقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:]؛ فكانت هذه العشر خاتمةَ أشهر الحج، وذروةَ أيامه المباركة، فيها تتعلق الأرواح ببيت الله الحرام، وتلتقي جموع المؤمنين على صعيدٍ واحد، في مشهدٍ تهتز له القلوب خشوعًا وإجلالًا.
ثم يزيد القرآن هذه الأيام شرفًا حين يربطها بميقات نبي الله موسى عليه السلام، قال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]، وقد قال مجاهد وابن جريج ومسروق: إن هذه العشر هي عشرُ ذي الحجة [تفسير الطبري]؛ فكأنها أيامٌ اصطفاها الله للمناجاة والقرب، ورفَع فيها الأرواح إلى مقامات الصفاء والإيمان.
فأيُّ أيامٍ هذه التي اجتمع لها شرف الذكر، وفضل الحج، وكرامة الميقات، حتى غدت موسمًا تتنزل فيه الرحمات، وتُفتح فيه أبواب الطاعات، ويقف فيه المؤمن بين الخوف والرجاء، يرجو رحمة مولاه، ويؤمل عفوه ورضاه؟
القسمُ الربانيُّ بالعشر.. إشراقةُ الفضلِ وعظمةُ الزمان
قال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١-٢].قال صاحب الكشاف: ' أراد بالليالي العشر: عشر ذى الحجة؛ فإن قلت: فما بالها منكرة من بين ما أقسم به؟ قلت: لأنها ليال مخصوصة من بين جنس الليالي، العشر بعض منها، أو مخصوصة بفضيلة ليست لغيرها'.
'أَقسم الله سبحانه بهذه الأَقسام الخمسة؛ لشرفها وعظمها، ولما فيها من الفوائد الدينية والدنيوية، فأَقسم بالفجر - وهو الصبح -؛ لما يحصل به من ظهور الضوءِ، وانتشار الناس لتحصيل الرزق، وقيل: هو صلاة الفجر؛ لأَنها مشهودة يشهدها ملائكة الليل، وملائكة النهار، وعن مسروق، ومجاهد، ومحمد بن كعب: المراد به فجر يوم النحر خاصة، وهو خاتمة الليالي العشر، كما أَقسم بالليالي العشر؛ لشرفها بما يقع فيها، والمراد بها: عشر ذي الحجة كما قال ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف...' [التفسير الوسيط – مجمع البحوث].
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: 'الْعَشْرُ الَّتِي أَقْسَمَ اللهُ بِهِنَّ لَيَالِي عَشَرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَالشَّفْعُ يَوْمُ الذَّبْحِ، وَالْوَتْرُ يَوْمُ عَرَفَةَ' [شعب الإيمان].
العشر من ذي الحجة والعمل الصالح
ومن أعظم ما يميز العشر الأُوَلَ من ذي الحجة؛ أنَّ للعمل الصالح فيها منزلةً عظيمةً عند الله تعالى، حتى صار أحبَّ إليه سبحانه من العمل في سائر أيام الدنيا، فعن ابنِ عباس، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ما مِنْ أيَّامٍ العمَلُ الصَّالِحُ فيها أحبُّ إلى اللهِ مِن هذه الأيام' يعني: أيامَ العشر، قالوا: يا رسُولَ الله، ولا الجهادُ في سبيلِ الله؟ قال: «ولا الجهادُ في سبيلِ الله، إلا رجلٌ خَرَجَ بنفسِه ومالِه فلم يَرْجِعْ من ذلك بشيءٍ» [رواه أبو داود].قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: 'وقد دلَّ هذا الحديث على أنَّ العملَ في أيَّامه أحَبُّ إِلى الله من العمل في أيَّام الدنيا من غير استثناءِ شيءٍ منها، وإِذا كان أحَبَّ إِلى الله فهو أفضَلُ عندَه، وقد ورَدَ هذا الحديث بلفظ: «ما من أيامٍ العَمَلُ فيها أفضَلُ من أيام العَشْر»، وروي بالشك في لفظة أحَبُّ أو أفضَلُ، وإِذا كان العَمَل في أيَّام العَشْر أفضَلَ وأحَبَّ إِلى الله من العمَل في غيره من أيَّام السَّنة كُلِّها، صار العملُ فيه، وإِن كان مفضولًا، أفضَلَ من العمل في غيره وإِن كان فاضِلًا' [لطائف المعارف].
وفي مسند الإمام أحمد، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ وَلاَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ».
وَعَن الْأَوْزَاعِيّ رضي الله عنه قَالَ بَلغنِي أَن الْعَمَل فِي الْيَوْم من أَيَّام الْعشْر كَقدْر غَزْوَة فِي سَبِيل الله يصام نَهَارهَا ويحرس لَيْلهَا إِلَّا أَن يخْتَص امْرُؤ بِشَهَادَة قَالَ الْأَوْزَاعِيّ حَدثنِي بِهَذَا الحَدِيث رجل من بني مَخْزُوم عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم [رواه البيهقي].
-
عشرُ رمضان وعشرُ ذي الحجة.. أيُّهما أعظمُ فضلًا؟
ونقل القسطلاني عن أبي أمامة بن النقاش: 'فإن قلت: أيهما أفضل، عشر ذي الحجة، أو العشر الأواخر من رمضان؟ فالجواب: أن أيام عشر ذي الحجة أفضل؛ لاشتمالها على اليوم الذي ما رؤي الشيطان في يوم - غير يوم بدر - أدحر ولا أغيظ ولا أحقر منه فيه وهو يوم عرفة، ولكون صيامه يكفر سنتين، ولاشتمالها على أعظم الأيام عند الله حُرمة وهو يوم النحر الذي سماه الله تعالى يوم الحج الأكبر، وليالي عشر رمضان الأخير أفضل؛ لاشتمالها على ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر' [المواهب اللدنية].
وقال الحافظ ابن كثير: '... وفي سنن أبي داود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم هذا العشر، وهذا العشر مشتمل على يوم عرفة الذي ثبت في صحيح مسلم، عن أبي قتادة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن صيام يوم عرفة، فقال: «أحتسب على الله أن يكفّر به السنة الماضية والآتية»، ويشتمل على يوم النحر الذي هو يوم الحج الأكبر، وقد ورد في حديث أنه أفضل الأيام عند الله، وبالجملة فهذا العشر قد قيل: إنه أفضل أيام السنة، كما نطق به الحديث، وفضّله كثير على عشر رمضان الأخير؛ لأن هذا يشرع فيه ما يشرع في ذلك من صلاة وصيام وصدقة وغيره، ويمتاز هذا باختصاصه بأداء فرض الحج فيه.
وقيل: ذلك أفضل؛ لاشتماله على ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وتوسط آخرون فقالوا: أيام هذا أفضل، وليالي ذاك أفضل، وبهذا يجتمع شمل الأدلة، والله أعلم' [تفسير القرآن العظيم].
قال ابن الجوزي: 'قال أبو عثمان النهدي: كانوا يعظمون ثلاث عشرات: العشر الأول من ذي الحجة، والعشر الأخير من رمضان، والعشر الأول من المحرم، اعلموا رحمكم الله أن عشركم هذا ليس كعشر، وهو يحتوي على فضائل عشر: الأولى: أن الله عز وجل أقسم به فقال: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢]، والثانية: أنه سماه الأيام المعلومات؛ فقال تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨]، قال ابن عباس: هي أيام العشر، والثالثة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد له بأنه أفضل أيام الدنيا، والرابعة: حث على أفعال الخير فيه، والخامسة: أنه أمر بكثرة التسبيح والتحميد والتهليل فيه، والسادسة: أن فيه يوم التروية... قال الزاهدي: وإنما سمي بيوم التروية؛ لأن عرفات لم يكن بها ماء فكانوا يتروون من الماء إليها، والسابعة: أن فيه يوم عرفة وصومه بسنتين، والثامنة: أن فيه ليلة جمع وهي ليلة المزدلفة... والتاسعة: أن فيه الحج الذي هو ركن من أركان الإسلام، والعاشرة: وقوع الأضحية التي هي علم للملة الإبراهيمية والشريعة المحمدية، ومن أراد أن يضحي كره له إذا دخل عليه عشر ذي الحجة أن يأخذ بشرته وأن يقلم أظفاره أو يحلق شعره، وليتشبه بالمحرمين...' [التبصرة].
عن أبي جرير، أن سعيد بن جبير قال: 'لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر، تعجبه العبادة'، ويقول: 'أيقظوا خدمكم يتسحرون لصوم يوم عرفة' [حلية الأولياء].
العشرُ المباركات من ذي الحجة.. تاجُ الأشهر الحُرم
قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦].قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿فَلا تَظلِموا فِيهِنَّ أنفُسَكُم﴾: في كلِّهنَّ، ثم اختصَّ من ذلك أربعةَ أشهُر، فجعلهنَّ حُرمًا، وعظم حُرماتهنَّ، وجعل الذَّنبَ فيهنَّ أعظمَ، والعمل الصالح والأجر أعظم' [تفسير الطبري].
ويقول أبو طالب المكي: 'ومن الفاضل: الشهور الأربعة الحرم، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، خصهن الله عز وجل بالنهي عن الظلم فيهن؛ لعظم حرمتهن، فكذلك الأعمال؛ لها فيهن فضل على غيرها، وأفضلها ذو الحجة؛ لوقوع الحج فيه، ولما خصّ به من الأيام المعلومات والأيام المعدودات... وإذا أحب الله عز وجل عبدًا استعمله في الأوقات الفاضلة بأفضل الأعمال؛ ليثيبه أفضل الثواب، وإذا مقت عبدًا استعمله بأسوأ الأعمال في أفاضل الأوقات؛ ليضاعف له السيّئات بانتقاص حرمات الشعائر، وانتهاك المحرمات في الحرمات، ويقال: من علامات التوفيق ثلاث: دخول أعمال البرّ عليك من غير قصد لها، وصرف المعاصي عنك مع الطلب لها، وفتح باب اللجأ والافتقار إلى الله عز وجل في الشدة والرخاء، ومن علامات الخذلان ثلاث: تعسُّر الخيرات عليك مع الطلب لها، وتيسر المعاصي لك مع الرهب منها، وغلق باب اللجأ والافتقار إلى الله عز وجل في كل حال، فنسأل الله تعالى بفضله حسن التوفيق والاختيار، ونعوذ به من سوء القضاء والأقدار' [قوت القلوب في معاملة المحبوب].
وقال قتادة في هذه الآية: 'اعلموا أنَّ الظلمَ في الأشهر الحُرُمِ أعظمُ خطيئةً ووزْرًا فيما سوى ذلك، وإن كان الظُّلمُ في كلِّ حالٍ غيرَ طائل، ولكنَّ الله تعالى يُعظِّم من أمره ما يشاء تعالى ربنا' [تفسير الطبري].
وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إنَّ الزَّمانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ» [متفق عليه].
-
في رحابِ العشر.. تعظيمُ شعائرِ الله وحرماته
وإذا كانت الحسنة تضاعف في مواسم الخيرات، فكذا السيئة، و'العشر'داخلة تحت'الأشهر الحرم'التي قال الله عنها: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦].
وكما قال الله في حق أمهات المؤمنين: ﴿يَا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً﴾ [الأحزاب: ٣٠ - ٣١].
قال ابن رجب: 'وقد تُضاعَفُ السيِّئاتُ بشرف فاعلها، وقوَّة معرفته بالله، وقُربِه منه، فإنَّ مَنْ عَصى السُّلطان على بِساطِه أعظمُ جُرمًا مِمَّن عصاه على بُعد، ولهذا توعَّد الله خاصَّةَ عباده على المعصية بمضاعَفةِ الجزاء، وإن كان قد عصمَهم منها، ليبيِّنَ لهم فضله عليهم بِعصمَتهم مِنْ ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٤ - ٧٥]' [جامع العلوم والحكم].
قال أ.د/ موسى لاشين: 'ومضاعفة العذاب تقتضي مضاعفة الثواب، كما ثبت أن الذي يقرأ القرآن وهو عليه شاق له أجران، وأن التي تتصدق على قريبها لها أجران: أجر الصدقة وأجر الصلة، وأن الحاكم إذا أصاب له أجران، ومن سن سنة حسنة له أجران، له أجرها وأجر من عمل بها، وبالتتبع نجد غير ذلك ممن له أجران' [فتح المنعم شرح صحيح مسلم].
فيها يوم عرفة
وفيها يوم عرفة الذي فيه وقوف الحجاج في هذا المشعر العظيم، وهو ركن الحج الأعظم وهو اليوم المشهود: (اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، وهو أفضل الأيام) وقال النبي صلي الله عليه وسلم: «الحج عرفة» [مسند احمد].وعن هُنَيدَة بنِ خالدٍ عن امرأته قالت: حدثتني بعضُ أزواج النبي، أن النبي صلى الله عليه وسلم: 'كان يصومُ عاشوراءَ، وتسعًا من ذي الحجة، وثلاثةَ أيام من كل شهر' [رواه النسائي].
وعَنِ عَائِشَةُ قالت: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ» [رواه مسلم].
وينقل الإمام النووي عن القاضي عياض، قال: قال المازري: معنى 'يدنو' في هذا الحديث، أي: تدنو رحمته وكرامته، لا دنو مسافة ومماسة'... قال القاضي: 'وقد يريد دنو الملائكة إلى الأرض أو إلى السماء؛ بما ينزل معهم من الرحمة، ومباهاة الملائكة بهم عن أمره سبحانه وتعالى' [شرح النووي على مسلم].
فيها يوم النحر
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْضَلُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمُ الْقَرِّ» [رواه ابن حبان].-
كيف نغتنمُ عشرَ ذي الحجة بالأعمال الصالحة؟
- التوبة: فعلى المسلم أن يستقبل مواسم الطاعات عامة بالتوبة الصادقة والعزم الأكيد على الرجوع إلى الله، ففي التوبة فلاح للعبد في الدنيا والآخرة؛ يقول تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
- المجاهدة: فينبغي على المسلم أن يحرص حرصًا شديدًا على عمارة هذه الأيام بالأعمال والأقوال الصالحة، ومن عزم على شيء أعانه الله وهيأ له الأسباب التي تعينه على إكمال العمل، ومن صدق الله صدقه الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقال رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» [رواه مسلم].
والتقرب إلى الله بالأضحية، فإنها مِن أعظم الشعائر، قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤].
- التكبير والتهليل: كان الصحابة يخرجون إلى الأسواق في العشر، فيُكبرون، ويُكبر المسلمون معهم، قال الإمام البخاري: 'وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ: يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ، يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا' [رواه البخاري].
ولا يخفى أن التكبير إنما هو بمثابةِ التنقية الروحية التي تُعيد ترتيبَ الأولويات؛ فهو تذكيرٌ دائمٌ بأنَّ الصعابَ مهما عظمت، تظلُّ تحت كبرياءِ مَن له ملكوتُ كلِّ شيء.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا أَهَلَّ مُهِلٌّ قَطُّ إِلَّا بُشِّرَ، وَلَا كَبَّرَ مُكَبِّرٌ قَطُّ إِلَّا بُشِّرَ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِالْجَنَّةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» [رواه الطبراني].
وَكَانَ عُمَرُ رضي الله عنه يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الْأَيَّامَ وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ وَعَلَى فِرَاشِهِ وَفِي فُسْطَاطِهِ وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشَاهُ تِلْكَ الْأَيَّامَ جَمِيعًا وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ تُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ وَكُنَّ النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْمَسْجِدِ [رواه البخاري].
عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا الْعَمَلُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عز وجل مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَذِكْرِ اللَّهِ، وَإِنَّ صِيَامَ يَوْمٍ مِنْهَا يَعْدِلُ صِيَامَ سَنَةٍ، وَالْعَمَلُ فِيهِنَّ يُضَاعَفُ سبعمِائَةِ ضِعْفٍ» [رواه البيهقي].
- استحباب الصيام: عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ، وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ» [شرح معاني الآثار للطحاوي].
أما حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ» [رواه مسلم].
قال الإمام النووي: 'قال العلماء هذا الحديث مما يوهم كراهة صوم العشر والمراد بالعشر هنا الأيام التسعة من أول ذي الحجة قالوا: وهذا مما يتأول فليس في صوم هذه التسعة كراهة بل هي مستحبة استحبابًا شديدًا لا سيما التاسع منها وهو يوم عرفة... فيتأول قولها: 'لم يصم العشر أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما أو أنها لم تره صائما فيه ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر' [شرح النووي على مسلم].
- جبر الخواطر وإدخال السرور على القلوب: فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنهما قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السَّوْءِ وَالْآفَاتِ وَالْهَلَكَاتِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمْرِ، وَكُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَأَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الْآخِرَةِ، وَأَهْلُ الْمُنْكَرِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ الْمُنْكَرِ فِي الْآخِرَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَهْلُ الْمَعْرُوفِ» [رواه ابن حبان].
وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا كَانَ فَكَاكَهُ مِنَ النَّارِ، يُجْزِي كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ» [رواه الترمذي].
وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢].
- إصلاح ذات البين: يا من ترجو رحمة ربك في العشر، ويا من ستتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة، كيف تقدم على الله، وتأمل قبولك عنده؟! وأنت لرحمك قاطع؟! ولجارك مشاحن؟! ولصديقك مبغض؟! تنبَّه، وأفِق من غفلتك، وعُد لرشدك؛ فإن الجنة تفتَّح أبوابها وغرفها، فيغفر الله لكل مؤمن إلا لمتخاصمين، فمغفرتهما متوقفة على صفائهما، وزوال عداوتهما؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» [رواه مسلم].
- الإكثار من الذكر: قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠].
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ جُمْدَانُ، فَقَالَ: «سِيرُوا هَذَا جُمْدَانُ سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ» قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيرًا، وَالذَّاكِرَاتُ» [رواه مسلم].
وربط الرسول صلى الله عليه وسلم بين الذكر وبين إسماعيل عليه السلام: عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: 'مَنْ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مِرَارٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ» [رواه مسلم].
استحضر معاني الذكر بالقلب والوجدان، فإن ذلك أجدى وأنفع، قال القرطبي: ' لما كان الذاكرون في إدراكاتهم وفهومهم مختلفين، كانت أجورهم على ذلك بحسب ما أدركوا، وعلى هذا ينزل اختلاف مقادير الأجور والثواب المذكور في أحاديث الأذكار، فإنك تجد في بعضها ثوابا عظيما مضاعفا، وتجد تلك الأذكار بأعيانها في رواية أخرى أكثر أو أقل' [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم].
أفضل أعمال العشر الأوائل من ذي الحجة
- الصدقة: وهي من جملة الأعمال الصالحة التي يستحب للمسلم الإكثار منها في هذه الأيام، وقد حث الله عليها، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقال رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» [رواه مسلم].
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَفْضَلَ الصَّدَقَةِ الصَّدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ» [رواه أحمد].
- الأضحية: قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢].
والأضاحي سنّة إبراهيم ومحمد صلّى الله عليهما وسلم وفي حديث زيد بن أرقم، ' قيل: يا رسول الله، ما هذه الأضاحي؟ قال: «سنّة إبراهيم» قيل له: فما لنا بها؟ قال: «بكلّ شعرة حسنة» قيل: فالصّوف؟ قال: «بكلّ شعرة من الصّوف حسنة»' [رواه أحمد].
روى أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: «العج والثج» [رواه الترمذي]، ومعنى العج: رفع الصوت بالتلبية، ومعنى الثج: النحر، أي التقرب إلى الله بالأضحية.
وحث على ذلك حتى قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ، وَلَمْ يُضَحِّ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» [ابن ماجه].
معنى التسليم : حين قال: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، فكان الرد: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢].
- استحباب الكف عن أخذ شيء من الشعر والأظافر: مَن أرادَ أن يضحي، فيستحب له أن يُمسِكَ عن الأخْذِ مِن شعْرِه وظُفْرِه منذ دخولِ العشْرِ إلى أنْ يذبحَ أُضحيتَه؛ فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ» [رواه مسلم]، ولعل الحكمة من ذلك أن يشارك الحجاج في بعض مناسكهم وأعمالهم؛ ولئلا يغيب عن خاطره عظمة تلك الأيام، وفضل ما يقع فيها من الأعمال، والأمر فيه سعة وتيسير.
وهناك أعمال أخرى يستحب الإكثار منها في هذه الأيام بالإضافة إلى ما ذكر، نذكر منها على وجه التذكير ما يلي: قراءة القرآن وتعلمه، والاستغفار، وبر الوالدين، وصلة الأرحام والأقارب، وإفشاء السلام وإطعام الطعام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإحسان إلى الجيران، وإكرام الضيف، وإماطة الأذى عن الطريق، وزيارة المرضى، وقضاء الحوائج.
الخطبة الثانية
العناية بالنظافة في كل الشئون العامة والخاصة
لم يجعل الإسلامُ النظافةَ شأنًا ثانويًّا في حياة الإنسان، بل أقامها على صدارة منظومته القيمية، وجعلها عنوانًا على صفاء الظاهر ونقاء الباطن، ولذلك كانت النظافة من أهم مظاهر الرقي والتحضّر في حياة الأفراد والمجتمعات، فهي ليست مجرد عادة يومية، بل سلوك حضاري يعكس وعي الإنسان واهتمامه بصحته وصحة من حوله، ومع دخول الصيف وارتفاع درجات الحرارة، تزداد الحاجة إلى العناية بالنظافة العامة والخاصة، ولذلك ينبغي أن تكون النظافة أسلوب حياة نحرص عليه في كل وقت، وخاصة في فصل الصيف.وقد جاءت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية مؤكِّدةً هذا المعنى، داعيةً إلى التزيّن بالطهارة في كل حال، من وضوءٍ يهيئ للوقوف بين يدي الله، إلى عنايةٍ بالجسد والملبس والمظهر العام، بما يحقق للإنسان كرامته، وللمجتمع طهارته ونقاءه، لا سيما ونحن مقبلون على فصل الصيف، وفيه يتأذى كثير من الناس من قلة عناية البعض بهذا الملمح رغم أمر الشارع به، وإليك بيان ذلك:
بني الإسلام على النظافة
روى الرافعي في (تاريخه) عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: 'تنظفوا بكل ما استطعتم فإن الله تعالى بنى الإسلام على النظافة ولن يدخل الجنة إلا كل نظيف'، قال المناوي: «والمراد النظافة صورة ومعنى، والشرائع كلها منظفات، أو صورة عن الحدثين والخبث والمكروه، والثناء عليها مبالغة لبناء الأصول من نحو صلاة وقراءة وزكاة وصوم وحج ومخالطة وفروعها عليها» [فيض القدير].وأخرج الترمذي: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الجُودَ، فَنَظِّفُوا - أُرَاهُ قَالَ - أَفْنِيَتَكُمْ وَلَا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ» قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنِيهِ عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: «نَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ».
وقال ابن الأثير: ' نَظَافَةُ اللَّه: كِنَايَةٌ عَنْ تَنَزُّهِه مِنْ سِمات الحَدَث، وتَعالِيه فِي ذاتِه عَنْ كُلِّ نَقْص، وحُبُّه النَّظافةَ من غيره كنايةٌ عن خُلُوصِ العَقيدة ونَفْيِ الشِّرْك ومُجانَبة الأهْواء، ثُمَّ نَظَافَةِ القلْب عَنِ الغِلّ والحِقْد والحَسد وأمثالِها، ثُمَّ نَظافة المطْعَم والملْبَس عَنِ الْحَرَامِ والشُّبَه، ثُمَّ نَظَافَةِ الظَّاهِرِ لِمُلَابَسَةِ الْعِبَادَاتِ' [النهاية في غريب الحديث والأثر].
-
الطهور شطر الإيمان
قال المازري: 'يحتمل هذا الحديث وجهين: أحدهما: أن يكون المراد بقوله «شَطْرُ الإِيمَانِ»، أي أنه ينتهي تضعيف الأجر فيه إلى نصف أجر الإِيمان من غير تضعيف.
والوجه الثاني: أن يكون معنى شطر الإِيمان: أن الإِيمان يجُبُّ ما قبله من الآثام، وقد أخبر عليه السلام أن الوضوء أيضًا يُذهبُ الخطايا عن الإِنسان، إلا أنه قد قام الدليل أن الوضوء لا يصح الانتفاع به إلا مع مضامّة الإِيمان له فكأنه لم يحصل به رفع الإِثم إلا مع شيء ثان، ولما كان الإِيمان يمحو الآثام المتقدمة عليه بانفراده صار الطهور في التشبيه كأنه على الشطر منه' [المعلم بفوائد مسلم].
وقال تعالى في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وروي الطحاوي عن عطاء قال: 'التَّوَّابِينَ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمُتَطَهِّرِينَ بِالْمَاءِ» ثم قال: فَفِي هَذَا أَنَّ الطَّهَارَةَ الَّتِي أَحَبَّ اللهُ عز وجل أَهْلَهَا عَلَيْهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ' [أحكام القرآن].
وأثنى على أهل مسجد قُباء فقال: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]، حتى قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ فِي الطُّهُورِ، فَمَا طُهُورُكُمْ؟ قَالُوا: نَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَنَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ، وَنَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ، قَالَ: فَهُوَ ذَاكَ، فَعَلَيْكُمُوهُ» [رواه ابن ماجه].
-
الطهارة شرطٌ لصحة العبادات
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» [صحيح البخاري].
-
نظافة الجسد.. فطرةٌ تُزكّي الإنسان وتُجمّل حياته
قال ابن العربي: 'وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم الهيئة في الحديث الصحيح بقوله: «عَشْرٌ من الفطرة»، وهي هاهنا عبارة عن أصل الخِلقة، فإن الإنسان يُخْلَقُ سليمًا من عشرة أقذار، ثم تطرأ عليه، فأُمِرَ بالتنظف منها' [سراج المريدين].
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل حثّ على الاغتسال، وجعله في بعض المواضع آكد، كغُسل يوم الجمعة، حيث يتهيأ المسلم للقاء إخوته في أبهى صورةٍ وأنقى رائحة، امتثالًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «غُسل الجمعة واجب على كل محتلم» [رواه البخاري]، وكذا في العيدين، ومواطن الاجتماع.
كما أولى الإسلام عنايةً خاصةً بنظافة الفم، لما له من أثرٍ في الطهارة وحسن المعاشرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْلا أَنْ أَشُقَّ على أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّواكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ» [رواه البخاري]، فدلّ ذلك على حرص الشريعة على أدقّ تفاصيل النظافة، حتى يغدو المسلم طيبَ الرائحة، حسنَ المظهر، نظيفَ الجسد، في انسجامٍ تام بين الجمال الحسي والمعنى الإيماني.
-
نظافة الملبس انعكاسُ لطهارة الباطن
كما رغّب النبي صلى الله عليه وسلم في التجمّل دون إسراف أو خيلاء، مبينًا أن الجمال قيمة محبوبة في ميزان الشريعة، فلما استشكل رجل في نهيه صلى الله عليه وسلم عن الكبر قائلًا: «إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً» أجابه قائلًا: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» [رواه مسلم]؛ فدلّ ذلك على أن التزين المعتدل والنظافة في اللباس والمظهر من الأمور التي تقرّب العبد من محبة الله، وتُكسبه قبولًا في قلوب الناس.
وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: «أحْسِنُوا لِباسَكُمْ وأصْلِحُوا رِحَالَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كأنَّكُمْ شامَةٌ فِي النَّاس» [الحاكم]، قال المناوي: ' «أَحْسنُوا لباسكم» أَي: مَا تلبسونه من نَحْو إِزَار ورداء وقميص وعمامة «وَأَصْلحُوا رحالكُمْ» أَي: أثاثكم أَو سروجكم الَّتِي تَرْكَبُونَ عَلَيْهَا أَو الْكل «حَتَّى حَتَّى تَكُونُوا كأنَّكُمْ شامَةٌ»، وَالْمرَاد: كونُوا فِي أحسن زيّ وَأصْلح هَيْئَة' [التيسير بشرح الجامع الصغير].
وفي المقابل، نهت الشريعة عن إهمال الهيئة أو التبذّل الذي يُحدث نفورًا أو يؤذي الآخرين، لأن الإسلام دينُ رقيٍّ وذوق، لا يرضى بالقبح ولا الفوضى في المظهر، بل يدعو إلى الاعتدال والاهتمام بما يعكس صورة المسلم الطيبة، وهكذا يصبح المظهر العام جزءًا من الرسالة الإيمانية، يجمع بين الجمال والوقار، وبين النظافة والالتزام.
-
طيبُ الرائحة.. من مظاهر الطهارة في الإسلام
وجاءت السنة النبوية مؤكدةً هذا التوجيه، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الطِّيب، ويقول: «حُبِّبَ إليَّ من الدنيا النساءُ والطيبُ، وجُعِلت قرةُ عيني في الصلاة» [رواه النسائي]، فدلَّ ذلك على عظيم شأنه ومكانته، كما نهى صلى الله عليه وسلم عن كل ما يؤذي الناس بروائح كريهة، فقال: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ» [متفق عليه]، حمايةً لبيوت الله وصونًا لمشاعر المصلين.
وهكذا يجمع الإسلام بين الطهارة الحسية والمعنوية، فيحثّ المسلم على أن يكون طيب الرائحة، حسن الهيئة، يُقبل عليه الناس ولا ينفرون منه، فيَشيعَ بين أفراد المجتمع جوٌّ من الراحة والقبول، وتغدو النظافة والتطيّب سلوكًا حضاريًّا يعكس سموّ هذا الدين وعنايته بأدقّ تفاصيل الحياة.
-
وسائل تعزيز النظافة الشخصية
- الحرص على العناية بالنظافة الشخصية في أماكن العمل والمدارس، لتكون سلوكًا يوميًّا يعكس الانضباط واحترام الآخرين.
- ربط النظافة بالإيمان والعبادة.
- استحضار النية التعبدية في كل سلوك نظافي، ليصبح العمل عادةً وعبادةً في آنٍ واحد.
- وضع برنامجٍ يوميٍّ ثابتٍ للعناية بالنظافة (كالاستحمام، ونظافة الفم، وتقليم الأظافر)، حتى تتحول إلى عادة راسخة.
- استخدام الوسائل الحديثة للنظافة الشخصية من معقّماتٍ وأدوات عناية، بما يحقق المقصود الشرعي.
- الحفاظ على نظافة الملابس وتبديلها بانتظام، خاصةً عند الخروج أو حضور التجمعات.
- تجنّب كل ما يسبب الروائح الكريهة، والحرص على التطيّب خصوصًا في مواطن الاجتماع.
تابعوا قناة صدى البلد على تطبيق نبض