«الأنسولين خدعة» و«التدخين آمن».. تقرير للجارديان البريطانية يهاجم ضياء العوضي بسبب آرائه الطبية؟
أعاد انتشار أفكار الطبيب الراحل ضياء العوضي، حتى بعد وفاته وسحب ترخيصه الطبي، فتح ملف خطير حول صعود المحتوى الصحي غير المستند إلى الأدلة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما تحولت نصائحه الغذائية والعلاجية إلى ظاهرة يتابعها مئات الآلاف، بل وصل عدد أعضاء إحدى مجموعات «تعاليمه» على فيسبوك إلى نحو 1.8 مليون شخص.
وكشف التقرير الصحفي الذي أعدته صحيفة 'الجارديان' أن العوضي بنى خلال سنوات قاعدة جماهيرية واسعة عبر مقاطع الفيديو والمنصات الرقمية، مقدمًا طرحًا طبيًا مثيرًا للجدل، شمل التشكيك في جدوى الأنسولين والعلاج الكيميائي، والترويج لأفكار حول قدرة الجسم على علاج نفسه من خلال تغيير النظام الغذائي، وهي ادعاءات أثارت انتقادات واسعة من المتخصصين.
رحلة مضاعفات السكري
روت فاطمة عادل، وهي كاتبة مصرية تبلغ من العمر 50 عامًا، تجربتها مع نظام العوضي، بعدما فقدت جزءًا من ثقتها في الطب التقليدي إثر ما وصفته بتشخيصات خاطئة وتجارب علاجية صعبة.وأوضحت أنها بدأت في مطلع عام 2024 اتباع نظام «الطيبات»، وتوقفت عن تناول أدويتها بالتزامن مع تغيير نظامها الغذائي، مشيرة إلى أنها شعرت في البداية بتحسن ملحوظ.
لكنها واجهت لاحقًا تدهورًا في حالتها، وبدأت تشعر بإرهاق شديد ثم بتنميل وخدر في قدميها، قبل أن تُشخّص في مايو 2025 بإصابتها بمضاعفات مرتبطة بالسكري.
تقرير الجارديان عن ضياء العوضي
وأشارت إلى أن إصبع قدمها الكبير تعرض لتورم شديد وتغير في اللون، بينما أصبحت تخضع بصورة دورية لتدخلات جراحية لإزالة الأنسجة المصابة، في محاولة لتجنب وصول العدوى إلى العظام والبتر الذي أوصى به بعض الأطباء.
نظريات المؤامرة
أشعلت وفاة العوضي في أحد فنادق دبي خلال أبريل موجة جديدة من الجدل حول أفكاره، بعدما انتشرت سريعًا بين متابعيه روايات تزعم أنه تعرض للإسكات بسبب ما كان يقدمه من محتوى.وشهدت جنازته في القاهرة حضور أعداد كبيرة من مؤيديه، بينما اتخذت الجهات المنظمة للإعلام في مصر إجراءات لمنع تداول ونشر محتواه، وهو ما دفع، بحسب التقرير، إلى زيادة الاهتمام به وانتشار مواده عبر منصات التواصل.
طرح العوضي نظامًا غذائيًا أطلق عليه اسم «الطيبات»، وربطه بتفسير خاص لمفهوم الأطعمة الصحية في القرآن، بينما تضمن النظام، وفق التقرير، استبعاد الدجاج والبيض ومنتجات الألبان والبقوليات، في مقابل السماح بأطعمة ومنتجات أثارت جدلًا واسعًا.
واستخدم العوضي مقاطع الفيديو والاستشارات الإلكترونية ومجموعات التواصل الاجتماعي للترويج لأفكاره، مستندًا في بعض أطروحاته إلى قراءات شخصية لنصوص دينية، وهو ما واجه اعتراضات من علماء ومتخصصين.
من جامعة عين شمس إلى سحب الترخيص
فقد العوضي موقعه الجامعي في جامعة عين شمس عام 2023، بحسب التقرير، على خلفية الترويج لآراء وصفت بأنها غير علمية، كما أشار التقرير إلى عدم وجود تجارب سريرية موثقة أو أبحاث منشورة له في دوريات علمية محكمة تثبت صحة منهجه العلاجي.وسحبت نقابة الأطباء المصرية ترخيصه نهائيًا في فبراير 2026، وفق ما أورده التقرير، بعد اتهامه بالترويج لنصائح علاجية لا تستند إلى أدلة علمية في التعامل مع أمراض مختلفة، من بينها السكري وأمراض القلب والكلى والسرطان واضطرابات الهرمونات.
وأكدت النقابة، بحسب التقرير، أن هذا النوع من المحتوى يمثل خطرًا على الصحة العامة، في وقت استمر فيه انتشار أفكار الطبيب على المنصات الرقمية رغم إغلاق عياداته.
مرضى يتحدثون عن نتائج إيجابية
فسر الدكتور محمد ممدوح، استشاري الطب الباطني والسكري وأمراض الكلى، بعض التحسن الذي تحدث عنه متابعو العوضي بصورة مختلفة عن التفسير الذي قدمه أنصار النظام.وأوضح أن تقليل استهلاك مجموعات غذائية متعددة قد يؤدي إلى خفض السعرات الحرارية، وهو ما يمكن أن ينعكس مؤقتًا على بعض الأعراض، لكنه لا يعني بالضرورة علاج المرض الأساسي أو السيطرة على أسبابه.
وأشار البروفيسور هشام مهنا، الباحث في مجال الصحة العامة، إلى احتمال ارتباط بعض التجارب التي وصف أصحابها بأنها «تحسن» بتأثير الدواء الوهمي، موضحًا أن التوقعات النفسية يمكن أن تلعب دورًا في شعور بعض المرضى بتحسن حالتهم.
ارتفاع خطير في مستويات السكر
اتبع عبد الشكري، البالغ من العمر 51 عامًا والمصاب بالسكري، نظام «الطيبات» منذ عام 2023 بعد جلسة إلكترونية مع العوضي، وقال إنه شعر في البداية بتحسن دفعه إلى إنشاء مجموعة عبر واتساب للترويج للنظام.لكن حالته شهدت لاحقًا ارتفاعًا خطيرًا في مستوى السكر، بحسب روايته، كما قال إن أعضاء المجموعة كانوا يواجهون مشكلات صحية متزايدة، قبل أن يقرر مغادرتها.
وأكد الشكري أن غالبية أعضاء المجموعة توقفوا عن اتباع النظام بسبب المشكلات التي واجهوها، في تجربة تعكس الجدل المحتدم حول قدرة الحميات غير المثبتة على التعامل مع الأمراض المزمنة.
ربط التقرير بين نصائح العوضي وحالات صحية مأساوية، من بينها حالة شيماء البدوي، التي كانت مصابة بمرض الذئبة وتوفيت بعد أشهر من توقفها عن تناول أدويتها، وفق ما ورد في التقرير.
واتخذ المجلس القومي للطفولة والأمومة في مصر، بحسب التقرير، إجراءات قانونية ضد أولياء أمور أوقفوا إعطاء أطفالهم الأنسولين بناءً على نصائح مرتبطة بالعوضي، في واقعة تكشف خطورة انتقال المعلومات الطبية غير الموثوقة من الشاشة إلى قرارات علاجية تمس حياة المرضى.
لماذا يجد الطب البديل جمهورًا واسعًا في مصر؟
ربط التقرير صعود العوضي بسياق أوسع يتعلق بتراجع الثقة في بعض المؤسسات الطبية وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، معتبرًا أن هذه الظروف توفر بيئة ملائمة لانتشار البدائل غير الرسمية.وأبرز التقرير اتساع استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، مشيرًا إلى وصول عدد المستخدمين النشطين إلى عشرات الملايين، وهو ما يمنح المحتوى الصحي الرقمي قدرة هائلة على الوصول إلى المرضى وأسرهم.
وأكد التقرير أن الصعوبات الاقتصادية التي تواجه بعض المرضى في الوصول إلى الرعاية الصحية التقليدية يمكن أن تدفعهم إلى البحث عن حلول بديلة عبر الإنترنت، خصوصًا عندما تُقدم تلك الحلول بلغة بسيطة وتستند إلى قصص وتجارب شخصية.
حذرت الدكتورة نهى عاطف، المحاضرة في الإعلام العالمي بجامعة غالواي، من الدور الذي تلعبه خوارزميات المنصات في إعادة إنتاج المحتوى الصحي المثير للجدل.
وأوضحت أن تفاعل المستخدم مع منشور أو فيديو معين قد يدفع المنصة إلى اقتراح محتوى مشابه بصورة متكررة، وهو ما يمكن أن يخلق انطباعًا زائفًا بأن فكرة معينة تحظى بإجماع واسع أو أنها أثبتت نجاحها لدى الجميع.
وأكدت أن هذه الآلية تجعل المستخدم محاصرًا داخل دائرة من المحتوى المتشابه، فيرى المزيد من الأشخاص الذين يرددون الأفكار نفسها، ما يعزز اعتقاده بأنها صحيحة وواسعة الانتشار.
خطر جديد على المرضى
وسعت المنصات الرقمية خلال السنوات الأخيرة مساحة ظهور أشخاص يقدمون أنفسهم بوصفهم خبراء في الصحة والتغذية والعلاجات البديلة، رغم تفاوت مؤهلاتهم العلمية بشكل كبير.وأشارت عاطف إلى أن النجاح في فقدان الوزن أو امتلاك تجربة شخصية معينة قد يدفع البعض إلى تحويل تجربته إلى محتوى واستشارات مدفوعة، دون امتلاك التأهيل الطبي الضروري لتقديم نصائح للمرضى.
وكشف تقرير صادر عام 2024 عن شركة الرعاية الصحية «تيبرا»، وفق النص، أن نسبة كبيرة من النصائح الطبية المنشورة على تيك توك قد تكون خاطئة أو مضللة، فيما ترتفع المخاوف بصورة أكبر عند تناول المحتوى الخاص بالعلاجات البديلة.
العوضي ليس حالة منفردة
قارن التقرير ظاهرة العوضي بحالات أخرى لمؤثرين في مجال الطب البديل، من بينهم الأسترالية باربرا أونيل، التي مُنعت من تقديم خدمات صحية في أستراليا بعد تقديم نصائح علاجية مثيرة للجدل لمرضى السرطان.وانتشرت مقاطع أونيل لاحقًا على منصات التواصل الاجتماعي، ووصلت إلى جماهير واسعة حول العالم، ما يوضح أن الحظر وحده لا يضمن اختفاء المحتوى المضلل، بل قد يدفع أحيانًا إلى إعادة نشره عبر قنوات ومنصات بديلة.
«الطيبات» بين الشعبوية الطبية وفقدان الثقة
فسر الكاتب المصري عمار علي حسن صعود ظاهرة العوضي في إطار أوسع يرتبط بالشعبوية وفقدان الثقة بالمؤسسات، معتبرًا أن ظهور الطبيب جاء في لحظة يبحث فيها بعض الناس عن بدائل وسط ضغوط اقتصادية وصحية متزايدة.وأكد أن حالة العوضي لا يمكن قراءتها باعتبارها قصة شخص واحد فقط، بل باعتبارها نموذجًا لكيفية انتقال الأفكار الطبية المثيرة للجدل من مواقع التواصل إلى حياة المرضى وقراراتهم العلاجية.
لماذا يستمر نفوذ العوضي بعد وفاته؟
احتفظت مقاطع العوضي بقدرتها على الانتشار حتى بعد وفاته، بينما واصلت مجموعات التواصل الاجتماعي المرتبطة بأفكاره جذب أعداد ضخمة من المتابعين.وأظهر ذلك، بحسب التقرير، أن التأثير الرقمي لا يرتبط بالضرورة ببقاء صاحبه على قيد الحياة، خصوصًا عندما تتولى الخوارزميات إعادة تدوير المحتوى، ويعيد المتابعون نشر المقاطع القديمة باعتبارها مواد تحمل «حقيقة مخفية» أو «معرفة ممنوعة».
وأعاد استمرار تداول أفكار العوضي طرح السؤال الأكبر: كيف يمكن مواجهة المعلومات الصحية المضللة من دون الاكتفاء بالحظر، وكيف يمكن استعادة ثقة المرضى في المصادر الطبية الموثوقة؟
تابعوا قناة صدى البلد على تطبيق نبض