تخطي إلى المحتوى
الخميس 5 نوفمبر 2026
الإشراف العام:إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير:محمود مكاوي
الإشراف العام إلهام أبو الفتح | رئيس التحرير محمود مكاوي
مقالات

محمد مندور يكتب: لماذا ينقب القاسمي في أرشيف البرتغال؟

محمد مندور
محمد مندور

أتعجب من قدرة أولئك الباحثين في أرشيف التاريخ وما يمضونه من أوقات طويلة بين الوثائق والدفاتر ليس تسلية بأخبار الماضي بل لمحاولة فهم الحاضر واستعادة ما غاب من الذاكرة الإنسانية للشعوب.. خصوصا عندما يتعلق الأمر بتاريخ منطقتنا العربية وعلاقاتها بالعالم.

أعني هنا رحلة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم إمارة الشارقة بين أرشيفات البرتغال وإسبانيا والهند والتي تتجاوز حدود إصدار كتاب تاريخي.. فهي رحلة بحث عن الحقيقة في الوثائق الأصلية.
على مدار 37 عاما من البحث والتحري والجمع والتوثيق.. عمل القاسمي على مشروعه «البرتغاليون في المحيط الهندي: أحداث في حوليات من عام 1497م إلى عام 1750م»، الذي صدر في 61 مجلدا باللغة العربية ومثلها باللغة الإنجليزية.. مشروع ضخم يكشف حجم الجهد الذي بذل لتتبع تاريخ الوجود البرتغالي في المحيط الهندي وشرق إفريقيا والهند ومناطق أخرى من آسيا.

والسؤال: لماذا أرشيف البرتغال تحديداً؟.. لأن البرتغال كانت إحدى القوى الأوروبية التي خاضت تجربة التوسع البحري في المحيط الهندي منذ نهاية القرن الخامس عشر وتركت وراءها سجلات ووثائق ومراسلات وتقارير إدارية وعسكرية وتجارية. وهذه الوثائق تمثل مادة أساسية لفهم ما جرى.. ليس فقط من وجهة نظر البرتغاليين وإنما من خلال مقارنتها بمصادر أخرى وإعادة تركيب الأحداث في سياقها التاريخي.

وقد شمل البحث وثائق من الأرشيف الوطني البرتغالي «توري دو تومبو»، والأرشيف التاريخي لما وراء البحار في لشبونة، وسجلات مجلس الحكومة في غوا، إلى جانب أرشيفات في إسبانيا والهند ودول أخرى.
لا شك أن البحث في أرشيفات القوى التي صنعت الأحداث أو شاركت فيها يمنح الباحث فرصة للوصول إلى تفاصيل قد لا نجدها في المصادر المحلية.. أو قد نجدها بروايات مختلفة. فالوثيقة لا تقدم الحقيقة كاملة

بالضرورة لكنها تفتح بابا للتحقق والمقارنة.. وتساعد على كشف ما سقط من الروايات أو تعرض للتجاهل.

الأهمية الحقيقية لهذا العمل أنه لا يتعامل مع التاريخ باعتباره حكاية جاهز، بل باعتباره مجالا للبحث والمراجعة. فالتاريخ البحري والتجاري والسياسي للمحيط الهندي لم يكن شأنا أوروبا خالصا فقد كانت المنطقة فضاء حيويا للتجارة والملاحة والتواصل الحضاري.. وكانت المجتمعات العربية والآسيوية والإفريقية أطرافا فاعلة في تشكيل أحداثه.

ومن ثم فإن قراءة الوثائق البرتغالية لا تعني التسليم بالرواية البرتغالية وإنما امتلاك أدوات فهمها ونقدها ومقارنتها وصولا إلى صورة أكثر توازنا عن تاريخ المنطقة.

ومن هنا تبدو قيمة هذا المشروع في إصراره على العودة إلى المصدر وتقديم مادة تاريخية واسعة للباحثين والقراء بلغتين بما يفتح المجال أمام حوار علمي أوسع حول تاريخ المحيط الهندي.

إن ما يفعله سمو الشيخ سلطان القاسمي يطرح سؤالا مهما : كم من صفحات تاريخنا ما زالت تنتظر من يذهب إلى الأرشيفات البعيدة بحثا عنها؟ وكم من أحداث وقعت منطقتنا نحتاج إلى إعادة قراءتها من خلال الوثائق الأصلية؟

إن التنقيب في أرشيف البرتغال ليس بحثا عن البرتغاليين وحدهم بل بحث عن تاريخنا نحن وعن موقعنا في عالم صنعته طرق التجارة والبحار والتنافس السياسي والتفاعل الحضاري.
فالأمم التي لا تبحث في وثائقها ووثائق الآخرين قد تترك تاريخها أسيرا لروايات لم تكتبها بنفسها. أما استعادة الذاكرة.. فتبدأ من سؤال جاد.. ووثيقة أصلية.. وباحث يمتلك الصبر على رحلة امتدت 37 عاما.